فأما حجتهم الأخيرة فليست بمُسَلَّمة، فإن القصاص مشتق من القَصّ وهو تتبع أثر الشيء، فكأن المقتص يتتبع أثر فعل المعتدي ليفعل به مثله، قال ابن فارس:
(قص: القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر، إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح، وذلك أنه يفعل به مثل فعله بالأول، فكأنه اقتص أثره [1] .
وقال ابن قدامة رحمه الله: (القصاص موضوع على المماثلة، ولفظه مشعر به، فوجب أن يستوفى منه [2] .
فهذه جوابات جمهور أهل العلم على ما احتج به من منع المماثلة في قصاص القاتل بمثل ما قتل، وهي الحق الذي دل عليه كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبان أنه لم يقم في معارضة حديث اليهودي الذي رُضِخ رأسُه ما يمكن التعويل عليه، والله أعلم.
وجه الدلالة من الحديث على مسألتنا:
أن التمثيل والتعذيب محرم متوعدٌ عليه أصالة، وقد أبيح على جهة المقاصة والمقابلة، فكذلك قتل أطفال الكفار ونسائهم يباح على جهة المقابلة والقصاص، وإن كان محرمًا في الأساس، فلما اتفقا في الحرمة لولا القصاص، فكذلك يتفقان في الإباحة إذ قد اتفقا في سببها، وبالله التوفيق.
(1) مقاييس اللغة (5/ 11) .
(2) المغني (8/ 301) .