فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 100

العدل والحق في نفس الأمر، إذ ذاك معجوز عنه، ولهذا قال تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها} ، فذكر أنه لم يكلف نفسًا إلا وسعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط، لأن الكيل لا بد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ولو بحبة أو حبات، وكذلك التفاضل في الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن الاحتراز منه، فقال تعالى: {لا نكلف نفسا إلا وسعها} .

ولهذا كان القصاص مشروعًا إذا أمكن استيفاؤه من غير جنف، كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عظم، وفي الأعضاء التي تنتهي إلى مفصل، فإذا كان الجنف واقعًا في الاستيفاء عدل إلى بدله وهو الدية، لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتص منه، وهذه حجة من رأى من الفقهاء أنه لا قود إلا بالسيف في العنق، قال: لأن القتل بغير السيف وفي غير العنق لا نعلم فيه المماثلة بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط ونحو ذلك أشد إيلامًا.

لكن الذين قالوا: يفعل به مثل ما فعل قولهم أقرب إلى العدل، فإنه مع تحري التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فعل ما يقدر عليه من العدل، وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته، وأما إذا قطع يديه ورجليه ثم وسطه فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف، أو رض رأسه بين حجرين فضرب بالسيف فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والمماثلة، وكنا قد فعلنا ما تيقنا انتفاء المماثلة فيه وأنه يتعذر معه وجودها، بخلاف الأول فإن المماثلة قد تقع، إذ التفاوت فيه غير متيقن، وكذلك القصاص في الضربة واللطمة ونحو ذلك عدل عنه طائفة من الفقهاء إلى التعزير، لعدم إمكان المماثلة فيه، والذي عليه الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة وهو منصوص أحمد ما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثبوت القصاص به، لأن ذلك أقرب إلى العدل والمماثلة، فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فعله ونقرب القدر من القدر، كان هذا أمثل من أن نأتي بجنس من العقوبة تخالف عقوبته جنسًا وقدرًا وصفة [1] .

(1) مجموع الفتاوى (18/ 167 - 169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت