قولهُ: (لأنَّ ظاهِرَ ذلِكَ .. ) [1] إلى آخرهِ، أي: لأنَّ دواعِيَهم كانت متوفرةً على سؤالِه - صلى الله عليه وسلم - عَن جميعِ الأُمور التي كَانوا يفعلونَها وإنْ قَلَّتْ، إذا لم تكنْ ممَّا عَرفوا حُكمهُ، حَتى إنَّ بعضهُم كانَ يَفعلُ الشيءَ المُباح، كالتقبيلِ في الصيامِ في بعضِ الصُورِ [2] ، فَلا يقدرُ أَنْ ينامَ، لا يقرُّ لهُ قرارٌ حتَّى يُرسِلَ يَسألُ عَن ذلكَ، فَيخبرهُ أزواجُ النَبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَفعلُهُ، فلا يزدهُ ذلكَ إلا قَلقًا، ويَقولُ: يُحِلُّ اللهُ تعالى [3] لِرسولهِ - صلى الله عليه وسلم - ما شاءَ، فَلا يَرجعُ دونَ أنْ ينصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أَنَّ ذلكَ لا يختصُّ بهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّهُ حلالٌ لغيرهِ، ولا يقالُ: إنَّهُ مرفوعٌ ولو لَم يطَّلِع عليهِ؛ لأنَّهُ لو لَم يكنْ جائِزًا لَم يُقرهُم اللهُ عليهِ، ولا أطْلعَ نبيَهُ - صلى الله عليه وسلم - / 101أ / على ذلكَ؛ لأنَّهُ لا يُنسبُ إليهِ إلا مَا أطْلعَ عليهِ، ولو احتمالًا، فحينئذٍ يكونُ مرفوعًا حكمًا، وإنْ كانَ يحتملُ مع ما تقدّمَ أَن يُريدَ قائلهُ: (( كُنَّا نرى ) ): إجماعَ الصحابةِ. ويُحتملُ أنْ يُريدَ نفسَهُ وَمَنْ وافقهُ، وإنْ لم يكنْ جميعَ الصحابةِ. لكن يُرجِّحُ الأولَ أَنَّ إضافتَهمْ الأشياءَ - لا سِيَّما مَا يتعلقُ بالتحليلِ والتحريمِ - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هوَ المستعملُ الكثيرُ الفاشي بينَهم، واستنادُهم إلى إجماعِ الصحابةِ نَادرٌ جدًَّا.
وأيضًا: فإنَّ الصحابيَّ لا يَجزمُ بالإجماعِ؛ لأنَّهُ لا يَتأتَى لَه الفحصُ عَن أقوالِ جميعِ الصحابةِ مَع تشتُتِهم في البلادِ.
وأيضًا: فَإنَّ داعيتَهُ ليسَت مُتوفرةً على السُؤالِ عن أَقوالِ الصحابةِ مثلهُ، إنَّما يسألُ عَن أعلى الأمورِ، وهو ما يُضافُ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، بِخلافِ التَابعينَ، فإنَّ دواعيَهم مُتوفرةٌ على الرحلَةِ إلى الصحابةِ في جميعِ الأقطارِ، والفَحصِ عَن أقوالِهم،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 191.
(2) عبارة: (( في بعض الصور ) )لم ترد في (ف) .
(3) (( تعالى ) )لم ترد في (ب) .