فيها يختلفُ [1] اختلافًا كثيرًا، فلم يبطلْ ما مَضَى منها وانبرمَ الحكمُ بهِ.
وأمّا ما يكونُ منها بعد التوبةِ فيقعُ عندَ الحكامِ وفي حقوقٍ لها أهلٌ يُشاححونَ [2] ويبحثونَ عن الخفايا، وذلك يوجبُ تحرّزَ الشاهدِ في نفسهِ، والحذرَ منهُ، والعثورَ على زَلَلِهِ وإن اجتهدَ في إخفائهِ بخلافِ الروايةِ. وإنما خفّفنا أمرَها في الابتداءِ؛ لبعدِ تعلّق الغرضِ بالكذبِ في الأمورِ العامةِ ونحوِها، ولا سيّما ممن اشتهرَ بالخيرِ، فلما وُجِدَ كذبُهُ صارَ أصلًا فيهِ، فوجبَ الاحتياطُ بعد ذلكَ بالاحترازِ منه استصحابًا لما جعلناهُ أصلًا، واللهُ أعلمُ [3] .
ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا ما نصّهُ: قال الشيخُ محيي الدين النوويُّ - رحمه الله: ولم أرَ دليلًا لمذهبِ هؤلاءِ، ويجوزُ أنْ يوجهَ بأنَّ ذلكَ جُعلَ تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذبِ عليهِ - صلى الله عليه وسلم - /226أ /؛ لعظمِ مفسدتهِ؛ فإنَّهُ يَصيرُ شرعًا مُستمرًا إلى يومِ القيامةِ، بخلافِ الكذبِ على غيرهِ والشهادةِ؛ فإنَّ مفسدتهما قاصرةٌ ليستْ عامةً.
قالَ - أي: النوويّ: وهذا الذي ذَكرهُ [4] هؤلاءِ الأئمةُ ضعيفٌ مخالفٌ للقواعدِ الشرعيةِ، والمختارُ القطع بصحةِ توبتهِ [5] في هذا، وقبولُ رواياتهِ بعدَها إذا صحّتْ توبتُهُ بشروطها المعروفةِ، قالَ: فهذا هو الجاري على قواعدِ الشرعِ، وقدْ أجمعوا على صحةِ روايةِ منْ كانَ كافرًا فأسلمَ، قال: وأجمعوا على قبولِ شهادتهِ، ولا فرقَ بينَ الشهادةِ والروايةِ في هذا. انتهى.
وهو في الكلامِ على حديثِ: (( مَنْ كذبَ عليَّ متعمدًا ... ) )في"شرحِ"
(1) في (ب) و (ف) : (( مختلف ) ).
(2) أي: يخاصمون.
(3) انظر: إكمال المعلم 1/ 107، والفروق 1/ 5.
(4) في (ب) : (( ذكر ) ).
(5) في (ب) : (( ثبوته ) ).