لقد رأيت جنديا فرنسيا يرتدي ملابسه العسكرية متكئًا بجانبه على المنضدة، ولدم يتفجر غزيرًا من جرح في رأسه، وكانت سترته ملطخة بالوحل، وعلى وجهه أثر ما يعاني من الألم ويقاسي من الجهد. . .
وما كاد الرجل يراني - وأنا أقترب منه - حتى ألقى إلى نظرة فيها كل معاني الاسترحام كأنما يستجدي بها المعونة، ويرجو بها الغث. ثم مد إلى إحدى يديه كأنما يعلن إلى أن لا لا حول له ولا قوة
فقلت له بلهجتي الفرنسية الوطنية: (هل يؤلمك هذا الجرح كثيرًا؟)
ففتح الجندي عينيه على مهل ثم قال: (هل سيدتي. . . فرنسية؟)
وما أدري لماذا أحسست ساعتئذ بثورة في دمي وهزة في جسمي، وخفقات في قلبي!
وقلت للجندي: (نعم، إنني فرنسية، ولكني مقيمة هنا. . . إني. . . أنا. . .!)
وأمسك الجندي بذراعي ثم قال: (إن الواجب يحتم عليك أن تساعديني. لقد حسبني زملائي ميتا فتركوني، والآن يجب على أن أرجع إلى صفوفنا! يجب علي. . .)
وما كاد يتم كلامه حتى سمعت دقا عنيفًا على الباب، وصوتًا عاليًا ينادي: (أيتها السيدة!. . . أيتها السيدة)
كانت في منزلي حجرة صغيرة اعتاد (هانز) أن يقضي فيها شؤونه الخاصة؛ فلما مات أغلقت بابها الصغير ثم غطيته بستر عن الأبصار. وأبقيت الحجرة على ما كانت عليه، فلم أتناول أي شيء فيها بتغيير أو تبديل كأنها مكان مقدس لا يمس، أو كأنها الموئل الذي يستريح فيه زوجي ويطمئن إليه
وما أدر ما الذي دفعني إلى أن أنتهك هذا الحرم المقدس في ذلك الموقف العصيب!
لقد دقت الجندي الفرنسي إلى الحجرة فرفعت الستر عن بابها، ثم فتحته، وبعد أن أدخلته فيها أغلقت بابها ثم أعدت الستر إلى موضعه
واشتد الدق على الباب الخارجي عنفًا، وما كدت أفتحه حتى دخل منه جندي ألماني ضخم الجسم كبير الجرم أحمر الوجه فدفعني جانبًا وزاحني عن طريقه، ثم أخذ يجول في أنحاء البيت كيفما شاء باحثًا عن الجندي الفرنسي. ففتش المطبخ ثم الحمام فلما لم يجد غريمه اندفع يرقى الدرج إلى أعلى