لا يخفى على كل ذي عقل سليم وطبع مستقيم أن تحصيل العلم لا يتيسر إلا بالمال وطول الزمان مع وجود الفطنة والأستاذ النصوح ورحم الله من قال:
أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان
ولذلك قام عقلاء الأمة من أسلافنا الكرام أصحاب الحمية والمرؤءة المحبين لتقوية دينهم وترفية بلادهم فصرفوا جل أموالهم على اكتساب العلوم والفنون وأسسوا المدارس ووقفوا لها أوقافًا كلية تقوم بنفقة مدرسيها والقاطنين بها ووضعوا لها نظامات ليسير المعلمون والطلبة عليها ولو اطلعت على تاريخ الواقفين لرأيت أحدهم وقف نصف أمواله على تحصيل علم الحديث والآخر على تحصيل علم الفقه وغيره على تحصيل التفسير والقراآت ومنهم من وقف ماله على تحصيل العلوم العربية وآدابها والعلوم الرياضية كالهندسة والحساب والمساحة والجبر وبذلك تيسر لهم تحصيل غالب الفنون والعلوم وبرعوا فيها وألفوا الكتب العديدة النافعة والعالم فيهم والمدرس معزز مكرم مكفي المؤونة مطاع في أهله وقومه وأما الآن ويا للأسف فقد خلف من بعدهم خلف تولوا إدارة شؤون المدارس فأضاعوا الأوقاف وخربوها وجعلوها ملكًا لهم أو كالملك وغصبوا كثيرًا من وظائفها لأنفسهم ثم لأولادهم من بعدهم على سبيل الإرث وإن كانوا هم وأبناؤهم جهالًا لا يميزون بين الكوع والبوع والمنصوب والمرفوع وأعانهم على ذلك حكام باعوا دينهم بدنياهم فلذلك أصبح طالب العلم يعد شروعه في طلب العلم متحيرًا في أمره محجمًا عن الإقدام على إكمال تحصيله لما يراه من سوء العاقبة في الأمور الدنيوية مع شدة الفاقة وقلة العيش وامتهان الناس له وازدرائهم به خصوصًا عند بعض الأمراء الذين يناط بهم شيء من أمور الطلبة وقد جرأهم على ذلك ما يرون من انخراط بعض الجهلة في سلك طلاب العلم وسكوت الشيوخ وعدم قيامهم بما وسد غليهم من الوظائف ولو اطلع الإنسان على ما يقاسيه بعض أهل العلم في المدارس الدينية لفاضت عيونه دمًا واشتعل رأسه شيبًا واحترق قلبه حسرة وإني في هذه السنة خرجت من دمشق بعد نصف رمضان وكنت نزيلًا عند العالم الفاضل الشيخ إسحاق الداغستاني في مدرسة جامع الكبير وهي محتوية على سبع عشرة غرفة وحجرة كبيرة للتدريس وفيها مكتبة قد خيم العنكبوت عليها وعما قريب