فساد الأخلاق هو ينبوع كل فتنة، ومورد كل بلية، ما سود التاريخ صحيفة قوم ولا تدهورت أمة في هوة المهالك، ولا تزلزلت عروش، ولا تنكست أعلام إلا لو دققت النظر لوجدت السبب الأعظم في ذلك كلهِ هو فساد الأخلاق لا غير (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) .
إن فساد الأخلاق لو أطلقت أعنة الأقلام في ميدانه لضاق عنها نطاق الصحف ولعجزت الكتاب عن إيفائه حق بيانه. وكلما أسرجت جواد الفكر واعتقلت أسمر اليراع وعولت على خوض هذا المضمار يصدني يعد الشقة وطول المشقة لأن فساد الأخلاق أصبح داء عزيز الدواء جدًا لكونه نما في سائر أعضاء جسم محيطنا الشرقي ممتزجًا بدمائه غالبًا عليه فهيهات هيهات إصلاح ما امتزج به الفساد هذا الامتزاج.
ولولا يكون اليأس جبا وخيبة ... يأست من الإصلاح في الشرق سرمدا
أعلل نفسي في لعل وفي عسى ... ولم يجديا نفعًا ولم يجليا صدا
ولكن أعزيها وإني أعيذها ... من الجبن لا راح الجبان ولا غدا
أفكر في فساد أخلاق صغار النشء الجديد الذين هم رجال الوطن في المستقبل وحماة حوزته وأساس صرح مجده إن صلحوا وبهم يكون جرفًا هائرًا إن ظلوا على ما أراهم عليه من سوء التربية وضياع الأوقات. في لهو يجرهم تياره إلى عميق بحار الجهالة وما يجري على ألسنتهم من ألفاظ السفالة التي يتلقونها عن أوليائهم ومربيهم فيؤلمني ذلك جدًا وأقول اللهم ألهم حكومتنا أن تجعل التعليم إجباريًا ووفق لهذه الجواهر النقية أساتذة مهذبين.
ثم أفكر في أخلاق النساء اللواتي هن أول مدرسة لبني الإنسان في زمن الطفولية زمن قابلية دماغ الطفل إلى كل ما يطبع بهِ من خير أو شر فيؤلمني ماهن عليهِ من فساد أخلاق كاد أن يقضي على حياتنا الأدبية أراهن غارقات في بحار الجهل تائهات في ظلمات اللهو لا يفكرن بغير الزينة والتبرج ولبس الثياب الفاخرة وذلك غاية ما تطمح إليه أنظارهن ولا يهمهن ذهبت ثروة رجالهن في هذا السبيل أم لا عدا قرينات السوء والفاجرات وما لا يليق ذكرهن في هذا المقام فأقول اللهم وفقنا لافتتاح مدارس إناثية تعلم بناتنا الأخلاق الدينية والحوائج البيتية وتربية الأبناء الحقيقية.
وأما الشبان فهم على ثلاثة أقسام