إنا نحن نزلنا الذكر ونحن له لحافظون
أثبتنا في مقالتينا السابقتين أن التدين غريزة غرزها الله في الفطر البشرية مثل سائر غرائزها الأخرى فما دام الإنسان إنسانًا يحس ويتفكر ويلهم ويتدبر ولم يهبط به القصور إلى مداحض الحيوانية ومزالق الحياة البهيمية فلا يزال يرى التدين لازمًا من لوازمه وضرورة من ضروراته وبرهنا على أن رقية في مدارج العلوم العلية وتسنمه سنام المعقولات السامية وضربه في ميادين المدنية الزاهية فضلًا عن كونه لن يعدو على تلك الغريزة فيقتلع أصولها ويجتث جذورها سيزيدها على ممر الأيام رسوخًا ويهبها على طول الزمان قوة وتمكينًا واستشهدنا على أقوالنا هذه بأقوال من فطاحل الكتاب العصريين وبحجج من تحقيقات العلماء الحسيين مما لا يترك مجالًا لجائل ولا جدالًا لمجادل وأردفنا كل ذلك بقولنا (إن الإسلام هو النقطة التي تتطلع إليها أنظار الباحثين والغرض الذي تشرأب إليه أعناق العلماء العمرانيين) ولكن جاءت هذه الجملة في عبارات مجملة لا تقف بذوي الطماح دون أن تطلب التفصيل ولا ترد من جماح العقول على تلمس التعليم لهذا أحببنا أن نعود اليوم إلى بسط ما أجملناه ونشر ما طويناه لنكون قد وفينا المقام بعض حقه فنقول:
إنما ينتثر عقد القاعدة من القواعد وينتكث فتل القانون من القوانين لا لتطاول الزمن عليه ولا لبعد عهد الواضع له فكم من حقيقة فلسفية اثرت عن سقراط وبداهة شرعية نقلت عن سولون وقاعدة طبية رويت عن بقراط وفضيلة أخلاقية حملت عن كهنة المعابد المصرية القديمة وبعضها فضلًا عن عدم تأثير الزمن عليها بالزوال صار لها اليوم من الإعجاب والإقبال والاحترام والإجلال ما لا يتطرق إلى المحض فيها الشك بأنها ستبقى حية أبد الآبدين ومعمولًا بها لدى الناس أجمعين ذلك لأنها لائمت سنة الطبيعة ووافقت نظام الخليقة وتعالت عن مصادمة خصيصة من خصائص الإنسان وسمت عن أن تحتك في قانون من قوانين العمران وحقيقة هذا شأنها لجديرة بحكم الضرورة بالبقاء وبعيدة ولا شك عن الفناء (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ولكن تنهدم القواعد وتتلاشى وتتقوض أبنية النظامات وتتداعى لمعاكستها لرقي البشرية في معارج المدنية ومصادمتها لارتقاء الإنسانية