فهرس الكتاب

الصفحة 965 من 1077

النشر والحشر

قدمنا أن أرباب الملل والشرائع كافة وجمهور المحققين من الفلاسفة متفقون على حقيقة المعاد وإن اختلفوا في كيفيته إلا شرذمة الطبيعيين الذين تولاهم الغرور وغشيهم الضلال وزعموا أن لا بعث ولا حشر وأن الإنسان مثل نبات الأرض ينبت ثم يزول لا إلى رجعة وليس له حظ في وجوده إلا لذاته الحيوانية التي ينالها مدة حياته وهو قول باطل لا يعتد به من وجوه أنه قد ثبت بالبراهين القاطعة وجود إله العالم واتصافه بالصفات الكاملة وسمو حكمته وعدله في خلقه ورحمته لهم ولا مرية في أن كل معتقد لذلك يظهر له أنه من حكمته تعالى وعدله بعد أن خلق الخلق ومنحهم عقولًا يميزون بها بين الحسن والقبيح وقدرًا بها يقدرون على الخير والشر أن يربط عمل الخير بالثواب وعمل الشر بالعقاب وكل من الثواب والعقاب غير حاصل في دار الدنيا فلا بد من دار أخرى يحصل فيها ذلك (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) ولا يكفي في ذينك الردع والترغيب ما أودع الله من العقل من تحسين المحسنات وتقبيح المنكرات لما عرفت أن العقل لا يستقل في معرفة كثير من الأمور ولأن العقل وإن كان داعيًا للإنسان في فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات واللذات فإذا حصل التعارض فلا بد من مرجح قوي آخر وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك.

إن صريح العقل يقضي أن من حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء وحصول هذه التفرقة ليس في هذه الدار لأنا نرى كثيرًا من أهل الإساءة في أعظم الراحة وكثيرًا من أهل الإحسان بالضد من ذلك فلا بد أن يكون بعد هذه الدار دار أخرى تحصل فيها تلك الفرقة.

إن السلطان إذا كان قادرًا حكيمًا مشفقًا على الرعية والخدام وجب عليه أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القوي وإن ترك ذلك كان راضيًا بالظلم والرضا بالظلم لا يليق بمثل هذا السلطان ولا شك أن الله تعالى كامل في صفة القدرة والرحمة والشفقة منزه عن الظلم والعبث فلزم أن ينتصف لعباده المظلومين من الظالمين وهذا الانتصاف لا يحصل غالبًا في هذه الدار لأن الظالم يبقى في غاية العزة والقدرة والمظلوم في مزيد من الإهانة والمذلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت