في الأنبياء {إِنَّ فِى هذا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن الفعال يأتي كثيرًا، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغًا: أي تبليغًا، وكلمه كلامًا، أي تكليمًا، وطلقها طلاقًا، وسرحها سراحًا، وبينه بيانًا. كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل. وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله.] [1] .
[واعلم أن لفظ اليدين، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالًا خاصًا، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو خاصة، أعني لفظة بين يديه، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت.
وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهذا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولا بالذي كان أمامه سابقًا عليه من الكتب.
وكقوله: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي مصدقًا لما كان أمامه متقدمًا عليه من التوراة.
وكقوله: {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم.
وكقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} ، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات.
ومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين. ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص. بلفظ خاص مشهور، في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على
(1) - (7/ 410) (الأحقاف/35) .