وقذف الرعب في قلوبهم] [1] .
[إنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولًا كقولهم: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء خطابًا للمؤنثة.
فلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته، لقلت له: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء على الحكاية.
وهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب، وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان.] [2] .
[معلوم أن الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة. ومن إطلاقها على الخير ما جاء في الحديث: «ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله تعالى فيه إلاَّ حفَّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» أخرجه مسلم[3] .
وبيان ذلك وتحقيقه في حق كلا القسمين كالآتي:
أما الأول منهما: وهو الغاشية في حق أهل النار فقد غشيهم العذاب حسًا ومعنى ظاهرًا وباطنًا أو لا خشوع في ذلة، وهي ناحية نفسية، وهي أثقل أحيانًا من الناحية المادية، فقد يختار بعض الناس الموت عنها، ثم مع الذلة العمل والنصب حسًا وبدنًا، ومع النصب الشديد تصلى نارًا حامية، وكان يكفي تصلى نارًا. ولكن إتباعها بوصفها حامية فهو زيادة في إبراز عذابهم وزيادة في غشيان العذاب لهم، ثم يسقون من عين آنية متناهية في الحرارة فيكونون بين نار حامية من الخارج وحميم من الداخل تصهر منه البطون، فهو أتم في الشمول للغاشية لهم من جميع
(1) - (8/ 32: 34) (الحشر / 2) .
(2) - (8/ 105 - 106) (الحشر/21) .
(3) - أخرجه مسلم (4/ 2074) (2699) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.