[قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} ... المعنى ما كانوا يستطيعون السمع أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} وقوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذا الْقُرْآنِ} وقوله {وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ} .] [2] .
21 -الضلال يطلق بمعنى: الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وبمعنى: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، وبمعنى: الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع.
[وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:
الأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ} ، وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ} .
الثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غاب واضمحل، وقوله هنا: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} أي بطل
(1) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المسبب على السبب أي أنهم بسبب شدة كرايتهم، وبغضهم للحق ما كانوا يستطيعون سماعه، ومثل له السيوطي أيضًا بقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} (غافر: 13) ، وقوله: {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} (الأعراف: 26) ، أي مطرًا يتسبب عنه الرزق، واللباس، وقوله تعالى: {لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} (النور: 33) أي مؤنة من مهر، ونفقة، وما لابد للمتزوج منه. وانظر الإتقان (3/ 113) ، وأسرار البيان (ص/121) .
(2) - (3/ 15) (هود/20) .