فليس الصراع بين يهود فلسطين وعربها، وإنما الصراع بين شعوب الإسلام كلها .. وبين أحزاب كثيفة العدد، والقوة من المستعمرين الغربيين .. ! فإن نحن استكنا لهذه الضربة فإن الدائرة علينا لا محالة. وإن نحن قبلنا التحدى ومضينا في المعركة فسوف ننقذ أنفسنا وننقذ هؤلاء البائسين معنا. وعلينا ـ نحن أبناء مصرـ أن نكون طليعة هذا الزحف الثائر لرد العدوان وحسم شروره الحاضرة والمتوقعة.
وصمت في المدينة المنورة، وأحببتها أشد الحب، ولن تبرح مخيلتى هيئة المسجد النبوى وصفوف المصلين متراصة فيه كأنها سطور كتاب، يطرد زحامها من المحراب، إلى الساحة الواقعة بين الروضة والمنبر، إلى امتداد المجلس المعروف بأنه كان لأهل الصفة، إلى الحصباء الجاثمة فوقها أسراب الحمام تطير وتمشى آمنة لأنها في أرض الحرم. كان إمام المسجد يصلى التراويح بجزء من القرآن كل ليلة، وكانت هناك طوائف من العباد تنتظر ريثما يتم جماعته، لتطيل القراءة وحدها كيف تشاء. وكان الصمت الطويل يكسو المكان بخشوعه. وكأنما سرت المهابة من خلال القبر المنطوى على صاحبه الكبير فجللت الجوار كله بالأدب والرقة ... والحزن!!
والمدينة قرية أقل عمرانًا من بعض قرى مصر. تنقصها مرافق المياه والنور والمجارى. والزراعة فيها أقل يقينا من عصر الأوس والخزرج في جاهليتهم. والتجارة تعتمد على مواسم الزيارات وتقوم على بيع الهدايا للحجاج الآيبين من بلادهم. وهى هدايا صنع أكثرها في إيطاليا واليابان وأمريكا .. !! وطالما تجولت في أطراف المدينة ووقفت كئيبًا أمام"محطة السكة الحديد"التى ص _1 ص 1
تخربت من ربع قرن!. إن الاستعمار الذى قطع أحشاء الوطن الإسلامى الكبير هو الذى حكم على هذه السكة بالموت، فسكنت حركتها وعطلت مغانيها. وتلك بقايا القاطرات والعربات المهشمة والقضبان المفككة، لا تزال مائلة في مكانها، أشبه بحطام غارة جوية وقعت أمس فقط .. !! كانت هذه السكة شريانًا يصل بين المدينة ودمشق، فأصبحت بين المدينة ودمشق عدة دول!! أما مطار المدينة فهو يقع قريبًا من الأرض التى سكنتها قريظة قديمًا. والمنطقة كلها جرداء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع. وهذا الإقفار صدى الفقر النفسى الذى وقع أخلاف المسلمين فيه، فقعدوا حيث سبق آباؤهم، وأوحشت بهم الدار، على حين صنع أسلافهم العجائب في مضمار التعمير والإجادة.
وصمت في الخرطوم، وكانت لى فيها دروس جامعة. وأهل السودان أسرع الناس استجابة إلى دعاة الإسلام. ولعل تأثرهم العميق بالدين هو الذى جعل فرق المتصوفة تتسابق إلى ضمهم إليها حتى ما تكاد تخلو قرية في السودان من أتباع طريقة ما .. إلا أن قصور"المتصوفين"في فهم الإسلام وتفهيمه مكن الإنجليز من أن يبذروا في أرجاء السودان بذور فتنة، يخشى خطرها على مستقبله .. فالأجيال الجديدة تنشأ نشأة مريبة، وجهد المستعمر في كل بلد يقع تحت وطأته، أن يضرب حجابًا بينه وبين الإسلام حتى ينفصل عن ماضيه. وينقطع عن لداته. وقد كنت أستغرب وأنا ألمح في السودان رجالا يلبسون القبعات ويدخنون السجائر في نهار رمضان، ولولا ألوانهم لحسبتهم إنجليز. ثم إن الخمر انتشرت هنالك انتشارًا مروعًا. حتى إن السودان يجىء في ترتيب الإحصاء، ثالث أقطار العالم استهلاكًا ص _1 ص 2
للمسكرات. وقد بنت إحدى شركات الخمور الإنجليزية مصنعًا"للبيرة"في"الخرطوم بحرى".