لو أن كل خلاف يقع بين الناس يشبه خلاف النحاة في إعراب كلمة، أو خلاف أهل الحساب في حل مسألة لكانت الخلافات طرافة تستحق المشاهدة، أو مسلاة تثير الإعجاب والتأمل. ذلك أن اختلاف العقول في تقويم حقيقة، أو تقدير حكم، لا خطر منه. سواء انتهى بحل حاسم أو بقى معلقًا إلى قيام الساعة. إنما يستفحل الخلاف وتتسع هوته إذا علق الهوى بأحد أطرافه. وترتب على رجحان إحدى الكفتين نفع أو ضرر. هنا يحتدم الصراع، ويغتلى الشقاق، ويكون ظاهرة الخصومة بين رأيين. والحقيقة أنها الخصومة بين أثره وأثرة. وغالبًا ما يضيع الحق، أو يلوث في حمأة هذا الشقاق. والخلاف بين أصحاب الأديان، أو بين أهل الدين الواحد، قد يأخذ هذه السبيل الجائرة فينتهى بالفرق المتنازعة كلها إلى شر مستطير .. لقد نشب خلاف كثير بين فقهائنا، بقى الآن دون أن ينشأ منه ما يريب أو يخيف، لأن وجهات النظر -على تباينها- لم ينضم إليها ما يحول هذا الخلاف إلى معارك رهيبة. بل إن بعض هذه الخلافات مات من تلقاء نفسه، لأن أحدًا لا يرى فائدة من إحيائه .. أما الخلاف بين الشيعة والسنة، وهم أجزاء متكاملة في جسم الأمة الإسلامية الكبيرة. فإنه لا يزال باقيًا. برغم أن البواعث على هذا الخلاف قد تلاشت أو حورها الزمن إلى وضع لا مكان معه لغلو أو شطط. ونحن لا نقول: امحوا هذا الخلاف. فإن وجهات النظر المتفاوتة لا سبيل إلى جمعها على كلمة سواء.