الصفحة 199 من 254

بل نقول: باعدوا بين نوازع الهوى، وبين تفاوت العقول في إدراك الحقائق، واستبانة الصواب. إن الدين ـ نصًا وروحًا ـ أبعد ما يكون من شهوة التمزيق والتشفى. وسياسة نفر من الحكام -فى إشباع مطامعهم الخاصة- هى التى توجه الجماهير إلى التحاقد وسفك الدماء، بدل أن تصلح ذات بينهم، وتصون مصالحهم، في دنياهم وأخراهم. وأستطيع القول: إن الخلاف بين الشيعة والسنة سياسى أكثر منه دينى. وإن السياسة التى لا ضمير لها، هى التى ضاعفت علته، وزادت خطورته، واستبقته إلى يوم الناس هذا دون مسوغ من عقل، أو باعث من تقوى. وقد ذكر المؤرخون: أن الشاه"إسماعيل الصفوى"نكل بجماهير غفيرة من أهل السنة، نكاية في سلاطين الترك، لا حماية لأهل البيت، وأنه أحب دعم ملكه الخاص لا إقامة دين ولا حراسة حقوق. ونضيف إلى هذا الشاهد أن من سلاطين الترك من طعن الإسلام وأهله، وأن من ملوك النصرانية من خان تعاليمها وخان أهلها، لا لشىء إلا للجرى وراء مغانم سياسية ومطامع هوجاء. وذكر"الكواكبى"في كتابه"أم القرى"أن سلاطين آل عثمان كانوا يضحون بالدين في سبيل إدراك كسب سياسى، يزيد من نفوذهم ويؤيد ملكهم، وهذا حق. فقد كان السلطان"سليم الأول"يستطيع أن يسدى للمسلمين يدًا جلى وأن يبقى علم الإسلام مرفوعًا على ربوع الأندلس إلى اليوم، لو أنه وجه نشاطه إلى إمداد بنى الأحمر بالمال والرجال وأعان على إبقاء دولتهم، تقاتل عدوها، وترد سيل الصليبية الطافح عن اجتياح حدودها. لكن السلطان المولع بالفتح والتوسع، أغار على مصر وساق جيوشه لإسقاط حكومتها، وأشبع شهوته في جعلها إمارة ملحقة بملكه العريض. ص _1 ص 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت