الصفحة 131 من 254

إن نبذ شرائع الإسلام واستجلاب قوانين مما صنع الأجانب لأنفسهم كى تحل مكانها، لم يتم دفعة واحدة. بل كان نتيجة أخيرة لسلسلة من التحلل والاستهانة وقعت في أعصار متطاولة ثم انتهت بهذا الختام المعتم. والذى أتصوره أن الحكام والقضاة والمفتين تراخوا أولا في تطبيق ما كتب الله من ذلك رعاية للأكابر مثلا، أو اتباعًا لبعض الأهواء. ثم تطور هذا الإهمال إلى غض من حرمة النصوص، وجرأة على وقفها. وأعان على هذا التطور فساد الملوك والولاة، وتكاسلهم عن فعل ما أمر الله وترك ما نهى عنه في شئون العبادات الأخرى .. وأعان عليه أيضا كساد سوق العلم واختفاء الفقهاء المجتهدين من ربوع العالم الإسلامى، وانشغال العامة بقشور مما خلف الأقدمون لا تحفظ حياة أمة بله أن تطيل بقاءها وتقوى ثمارها. فكان ما لابد منه، وماتت شرائع الحدود والقصاص في أيدى أخلاف عتت عن أمر ربها ورسله .. وما دام الإيمان الحق -وهو ملاك النظم كلها- قد ضعف وهان فهيهات أن تتماسك بعده أمة. ولا تستغربن عندئذ ما يقع فيها ولا ما يقع منها. أضف إلى ذلك أن الصليبية الغربية بالمرصاد، وهى نهازة للفرص، فإذا وجدت ثغرة تنفذ منها إلى النيل من الإسلام وإصابة مقاتله فهى تهتبلها لا محالة. وفى الغزو الثقافي والاجتماعى الذى رمتنا به كان حرصها باديًا على ضرورة إقصاء التشريع الإسلامى وإحلال القوانين الغربية محله .. وقد بدأ ذلك في مصر- في عهد محمد على باشا رأس الأسرة المالكة التى قضت عليها الثورة باسم الإسلام وتحت شعار المصحف الشريف. ص _128

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت