ومحمد على هذا قائد تركى خان دولته واستقل بمصر، لا ليقيم عوج الأمور فيها بل ليجعل منها مزرعة تدر عليه وعلى أولاده! .. وقد أجمع مؤرخو عصره على أنه بلغ المدى في القسوة والجبروت. ووجدت فرنسا ـ عدو تركيا يومئذ ـ أن مصالحها تقضى عليها بمساعدة الوالى الثائر بتغليب كفته على دولة الخلافة توسيعًا لفتوق في كيانها فأمدت محمد على باشا بالعون العسكرى والعلمى والتشريعى أيضا!! وكان هذا التدخل (الأدبى) بداية انتشار الثقافة الفرنسية وما يتبعها في مصر وجاراتها. قال الدكتور عبد العزيز عامر:"إن المسلك الذى كان يجدر بمحمد على لعلاج الفوضى في البلاد أن يصلح الأداة القائمة على تطبيق الشريعة الإسلامية مع الإبقاء على هذه الشريعة مصدرًا أصيلًا لكل تقنين تدعو إليه الحاجة، لا أن يلجأ إلى القانون الفرنسى الصادر سنة 1810 فيجعله أساسًا لما سن من تشريعات .. ولم تكن شريعتنا لتتخلف عن أى إصلاح منشود، فلماذا يعدل عنها؟ لكن الذى وقع من"محمد على"باشا أنه فتح الطريق لنقل القوانين التى استحدثت في عهده ثم التى جدت حتى"سنة 1883"من قانون العقوبات الفرنسى!! فجاءت خليطًا منكرًا متنافرًا من تشريعات مختلفة لا تمت بسبب إلى بيئتنا الإسلامية. بل جاءت علاجًا لا قيمة له في محاربة الجريمة وعقاب أصحابها، ولم تزد البلاد إلا خبالًا. هذا من ناحية موضوعها أما من ناحية الشكل فقد جاءت يسودها الارتجال في الأحكام والاضطراب في التنظيم والتبويب كما جاءت خالية من الأفكار العامة في مكافحة الجريمة وأسلوب العقاب"أ. هـ. وظاهر أن الفرنسيين استغلوا حاجة"محمد على"إليهم على نطاق واسع، إنه دفع ثمن الخبراء والموظفين -الذين دعموا حكمه- من صلة البلاد بالإسلام وتمسكها بتعاليمه .. ص _12 ص