1 -ينبغى أن نفرق بين الثقافة الذاتية لأمة ما، وبين العلم الذى لا وطن له والذى يشيع بين الناس دون عائق! نعم هناك معارف تتصل بالكون والحياة يتناولها الناس حيث كانت، بل لعلهم يدفعون المال والجهد لتحصيلها .. وآثار هذه المعرفة متشابهة كالجسر الذى يبنى على شاطئ نهر في الصين، لا يختلف كثيرًا عن زميله الذى يبنى في أوروبا، وقواعد الهندسة التى تحكمهما واحدة .. والجراحة التى تجرى للجسم الإنسانى في أمريكا هى هى التى تجرى له في أى مستشفى آخر متقدم، والتعليمات الطبية المقررة لا تختلف هنا وهناك! والناس يتسابقون إلى إحراز الكثير من هذه العلوم، بل لعل الروس مثلا يتجسسون على خصومهم في الغرب ليروا: هل سبقوا إلى تقدم ذرى أو تفوق فنى في أى مجال لينقلوه عنهم!! لكن هل ينقلون عن خصومهم الفكر الاقتصادى أو التنظيم الاجتماعي أو فلسفة القيمة والعمل؟ لا .. ! إن الثقافة الذاتية للأمة شىء آخر غير العلم العام! هذه الثقافة هى التى تصنع"شخصية"الأمة وتبرز معالمها وتحدد خصائصها وتقرر تقاليدها وقوانينها وتستحسن لها أشياء وتستهجن أخرى، بل هى التى تكون مزاج الأمة العام وأدبها وغناءها وما يطربها أو يشجيها، ثم تخط لها مجراها الخاص في الحياة الإنسانية ... ولا نزعم أن كل ثقافة ذاتية لأمة تستند إلى أساس صحيح، ولكنا نؤكد أن كل أمة ترى في هذه الثقافة الخاصة كيانها الأدبى وملامحها المميزة وتعتبرها ذاتها، ثم تدافع عن ذاتها بما تملك .. وبالنسبة لنا نحن المسلمين عامة والعرب خاصة ننظر إلى ثقافتنا الذاتية نظرة أخرى، لأنها تراث نزل من السماء ولم ينبت من الأرض، إنها جملة العقائد والعبادات والقوانين والأخلاق والحدود والحقوق والقيم والمُثل التى حوتها رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم، وهى كذلك جملة الآداب والصور الفنية التى أثرت عن العرب، لأن اللغة العربية هى لغة الوحى الإلهى الباقى، ومن ثم ضبطنا مفاهيم الألفاظ وصور التراكيب وديباجة الأداء في الشعر والنثر، لأن خلود هذه اللغة سياج لخلود الرسالة الإسلامية، ومعنى ذلك ص _11 ص