ليس شىء أحق بالزراية من حروب الفتح والتوسع. سواء كانت هذه الحروب إشباعًا لنزوات فرد مغرور كما حدث في العصور الأولى، أم كانت إشباعا لمزاعم شعب طامع كما يقع في حروب الاستعمار الحديث. إن سفك الدم الواحد جريمة تهتز لها الأرض والسماء، فكيف بمن يشعل المعارك الطاحنة، ويسوق لخوضها الألوف المؤلفة، ولا يبالى أن تتمخض عن جماهير غفيرة من الضحايا واليتامى والأيامى؟ إن الله برىء من هؤلاء الجزارين، وإن لعنته الكبرى لتتبعهم إلى يوم الدين. وقد بليت الأديان بنفر من أولئك الحكام الغلاظ، استهوتهم الأمجاد الخاصة وأغراهم السلطان المطلق، فأداروا رحى القتال في ميادين شتى ولم يعجزهم أن يستروا أثرتهم هذه وراء أستار من النيات الحسنة والمقاصد المشروعة. والله يعلم أنهم ما أحسنوا في حرب ولا سلم، وأنهم ما أرضوه فيما تحت أيديهم من أرض ورعية. فكيف يرضونه فيما هو أبعد من ذلك متناولا .. !! هل تعرف خديوى مصر"إسماعيل"باشا؟. إنه الرجل الذى مهد وادى النيل للاحتلال الأجنبى، واجتاح أموال العباد ليهلكها في شهواته ومباذله، ونظر إلى أوروبا نظرة الحيوان المنهوم، فلم يرقه منها إلا الفسق عن أمر الله، فقرر أن يجعل مصر قطعة من أوروبا. ليس لهذا الرجل صلة تذكر بالدعوة الإسلامية. والبلاد التى فتحها أو حاول فتحها، هى أرض يزين بها تاجه، ويرضى بها تطاوله، مهما ضاع في هذه السبيل من رجال وأموال. ولقد وقفت طويلا عند حملاته العسكرية على الحبشة فأسفت لها، وحزنت للضحايا البريئة التى ذهبت هدرًا في هذه البلاد. ص _082