اقترن ظهور الإسلام بحركة إحياء عامة، تنفست بها المشارق والمغارب كما يتنفس الصبح بعد ليل حالك طويل. وفى هذه البكرة الصاحية انتفض البشر انتفاضة الانتعاش والنشاط، ودبت في أوصالهم روح العمل لمستقبل أفضل وحياة أكرم. لقد شعر الناس ـ بعد ما استمعوا إلى القرآن ـ أنهم متخلفون مسافات طويلة عما يجب أن يبلغوه من رقى وكمال. وشعروا أن الآفاق التى ينقلهم الوحى الجديد إليها تتقاضاهم أن يشمروا عن سواعدهم، ليحرزوا ما فاتهم ويدركوا ما يطلب لهم. وهذه اليقظة الشاملة قوامها انفلات العقل من الآصار التى أثقلته وأوهنته، واستقباله الدنيا بنظرة تحق الحق وتبطل الباطل، وتنبذ الأوهام الأولى، وتنشىء أحكامًا جديدة لكل ما تعالج أو تواجه من شئون الحياة .. إن الأرض عندما طلع عليها الإسلام لم تنسلخ من إهابها البالى العفن فحسب بل تغيرت حقيقتها تغيرًا نقلها من طور إلى طور. فعرفت حرية الفكر، وأكدت حقها في كل ما يعلى قدر الإنسان ويبوئه في الوجود مكانته اللائقة، وسقطت -فجأة- دولة الأصنام في ربوع الجزيرة الخرفة ثم تساقطت تباعا سلطات الكهانة الدينية والسياسية التى استندت بالقارتين المعمورتين في هذه الأعصار، آسيا، وأفريقية. وتوالت الانفجارات في الوعى العام، مصحوبة بالتطلع إلى مزيد من العدل الاجتماعى والكرامة السياسية. وكان الإسلام في هذه التطورات الرائعة باعث النهوض وحافز الهمم، وسر الطفرات الغريبة التى عمرت وجه الأرض بعد خراب، وأخصبته بعد محل. كان هذا الدين عقيدة تقدمية، ينظر الناس إليها نظرتهم إلى حضارة مقبلة بالمعرفة واليمن، لا ينتسب إليها إلا من حاز حظًا معينًا، من زكاة النفس، وذكاء العقل، وقبول الترقى. ص _247