الصفحة 252 من 254

فمن التحق بها فقد سار مع القافلة المتجددة المتطورة مع الزمن. ومن بقى مكانه فهو امرؤ جمد مع الماضى الذى أزرت به الخرافة، وحق عليه الهوان.

إن حرية النظر في ملكوت السماء والأرض، وحق النقد لما يتردد من مذاهب وآراء، والنظر إلى الإنسان على أنه مستخلف عن رب العالمين في ربوع هذا الكون الضخم، واعتبار آفاقه محاريب، التأمل فيها إيمان، واستخراج سرها وخيرها عبادة .. إن ذلك كله بعض ما تركه الإسلام، من آثار في سير العمران البشرى. وفى ازدهار الحضارة ببلاد الإسلام أخذ على المسلمين أنهم أسرفوا في الاستمتاع بما أتاح لهم الإسلام من حريات. وأطلقوا العنان لأفكارهم تفكر فيما وراء المادة وكأنما فرغت من البحث فيما بين يديها وما خلفها! وإذا كانت للجمود علل مهلكة، فإن للتهور عللًا لا تقل سوءًا عن الأولى. لقد ظل التفكير الإسلامى يتأرجح بين مختلف التيارات، وتناوشه شتى الأهواء والنزعات، حتى شرد عن سواء السبيل. ثم قام -إلى جانب هذا الجماح- قوم آخرون يشدونه إلى الخلف ويكثرون حوله السدود. فإذا الحضارة الكبيرة يعروها من الاضطراب ما يوقف مدها، ويضلل سعيها. ولسنا هنا بصدد تأريخ لتطور الفكر الإسلامى، أو رسم خط بيانى يشرح صعوده وهبوطه، والتواءه أو استقامته .. فذلك يحتاج إلى كتاب منفرد. وكل ما نحب الإشارة إليه: أن المسلمين وصلوا -منذ بضعة قرون- إلى درك سحيق، إذ استفحلت العلل التى أصابت كيانهم. وما زالت تلح عليهم حتى رجعتهم عن الطليعة التى بلغوها قديمًا عن جدارة، فتأخروا إلى الصف التالى، ثم تأخروا إلى صف وراءه. ص _248

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت