في الحضارة الحديثة جوانب لا أجد بدًا من احترامها وتزكيتها، بل أجدنى مسوقا بدوافع من دينى إلى الإعجاب بها، والتملى منها. وأبرز هذه الجوانب إدمان النظر في الكون والبحث عن خواص الأشياء والتعرف على القوانين الدقيقة التى تسير عليها الحياة، وانتهاج خطة بعيدة عن الحدس والتخمين في تقرير شتى الحقائق. إن أية حضارة تقترب من الفطرة في بعض نواحيها، أشعر باقترابها من طبيعة الإسلام في هذا البعض ... ولو كانت غريبة عنى. وإن أية حضارة تجنح إلى التكلف أو التخرص أشعر بانحرافها عن دينى ولو كانت قريبة منى. وفى تراثنا الثقافي كتابات عن عالم الغيب لم تعتمد على الوحى. وكتابات عن عالم الشهادة لم تعتمد على التجربة والاستقراء. كلتا الكتابتين واهية العلاقة بخطة القرآن في تكوين المعرفة الصحيحة. فالمعرفة المادية ... لا سبيل لها إلا للنظر الصائب في الكون وأسراره وقواه ـ وصلة الإنسان بربه أو بأخيه الإنسان لا سبيل لها إلا توقيف الشارع الحكيم. ومعنى هذا أن: علوم الطبيعة، والكيمياء، والفلك، والنبات، والحيوان، والطب والهندسة وما إلى ذلك ... تقوم على استقصاء الحقائق من الواقع وحده، ولا مكان لفروض وهمية أو أوصاف شاعرية، أو حدود تقليدية، أو سلطات استبدادية. المجال للعقل الحر الدءوب، يداوم النظر ويتابع الجهد حتى يصل إلى ما يبغى دون ما قيد. وإنى لأقرر في غير تحرج: أنى كنت أطالع بعض البحوث العلمية التى هديت إليها الحضارة الحديثة، فأشعر كأن مؤلفى هذه البحوث، كانوا يستجيبون ـ سواء شعروا أم لم يشعروا ـ لقوله تعالى: ص _034