"أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء". إنه نداء الفطرة الإنسانية على كل حال. وقد صم عن هذا النداء من فتحوا عيونهم دون تدبر، أو من استعملوا ذكاءهم في بحوث ما وراء المادة، فعادوا منها بقبض الريح، أو من كتبوا في المادة نفسها فشطحوا مع الخرافات ونظروا في كل شىء إلا في الكون وآفاقه والعناصر وخصائصها. إن القرآن الكريم جعل مجالى الطبيعة مدارس الإيمان. وكلما استكثر المرء من حصيلة المعرفة الكونية ربا يقينه، وزادت بالله معرفته. وإنك لتعرف الشخص الذكى بآثاره العملية، ولا تفكر في معرفة ذكائه بالكشف على تلافيف مخه. فإذا كان التعرف على قدر إنسان تبصره لا يتم بهذا الأسلوب فكيف بالتعرف على من"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". إن ذلك لا يتم إلا بالتأمل في آثاره، ومطالعة صفاته في أرجاء خلقه الوسيع. ولعل درسا في وظائف الأعضاء، أو في دوران الأفلاك، يكون أنجع في غرس الإيمان وأدنى إلى التعريف بعظمة الله من بعض القراءات النظرية، أو المقدمات الجدلية. في الأيام الماضية مرت بى لحظتان مضيئتان: أولاهما: في إحدى الحدائق وقد علقت عينى بزهرة لما يكمل تفتحها ... كانت دقيقة من أسفلها، مستعرضة من أعلاها، والغلاف الأخضر منحسر عن أغلبها. ... إنها توشك -لو بقيت على ساقها يومين- أن تبرز بأوراقها وألوانها جميعًا. لكنى تعجلت فض الملفوف من كمها، لأقف مشدوها أمام ما بدا لى منها. كانت الأصباغ زاهية كأنما وضع المصور ريشته الآن من رسمها، وكانت هذه الأصباغ موزعة في نقوش تبرق جدتها، ويستغرب المرء من أن الألوان المتناقضة المتجاورة لم يسح شىء منها على الآخر. ص _035