الصفحة 35 من 254

ونظرت إلى الأرض السبخة الهامدة، وإلى الفلاح الساذج فوقها، وقلت: من أبدع هذه الزخارف الرائقة واستخرجها من بين هذه الأكوام؟ من؟. وانساب إلى قلبى شعور بالجمال الإلهى المتأنق في ألوف مؤلفة من الأزهار والأثمار تزحم القارات الخمس"والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد". أما اللحظة الأخرى: فعلى شاطئ البحر الأبيض في ليلة من ليالى العمل ... أرسلت طرفى إلى البحر الهادر، وكنت أسمع ثوران الموج ولا أرى مده، والماء في لون الحبر، والأفق معتكر في أبعاد غير متناهية. ولم يجر في خاطرى قول العقاد الشاعر: ولهذا الظلام خير من النور إذا كنت لا ترى وجه حر ذلك لأنى لم أك مهتما بأحوال البشر وقتئذ، فإن طنين الموج المستمر بقوى لا تنهد مع مضى الوقت جعلنى أتساءل: أما لهذا الحراك من توقف؟ وكان الجواب مزيدًا من الهدير القادم من بعيد! ... كلما تلاشى على رمال الشط حل محله آخر، وهكذا دواليك. إن البحر أضعاف اليابس على ظهر الأرض، وهذا الخلق العجيب عالم وحده. وغلبنى الكرى قليلا ثم عاودتنى اليقظة -أو الأرق- والموج الموار لا يزال يزأر. إن الله الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وكل إلى شعاع من قدرته أن يهز هذا الركام الهائل من المياه هزأ يشمل المشارق والمغارب في الرقعة المنداحة التى نسميها نحن بحارًا ومحيطات .. وسواء غفونا أم صحونا فعمل القدرة ماض في طريقه، ينتبه إليه بين الحين والحين أولو الألباب ليسبحوا بحمد الله الكبير.

قد يقال: إن حضارة الغرب التفتت بالفعل إلى الكون الكبير، واكتشفت من أسراره ما فات القرون الأولى. ص _036

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت