ولكن اهتمامها بالكون كان لارتفاقها منه، وانتفاعها به، لا لتتزود منه باليقين الواجب والإيمان المبرور.!! وفى هذا الكلام قدر من الصحة غير منكور ... فإن عبادة الحياة هى الدين الشائع في الحضارة الحديثة، تستوى في ذلك: أحزاب الميسرة المجاهرة بإلحادها، وأحزاب الميمنة الخافتة به. والغرض من البحث الكونى الذى طلبه القرآن الانتقال من الكون إلى المكوّن، ومن المخلوق إلى الخالق. وشتان بين منهجين: أحدهما يتعرف إلى الله في أرجاء العالم الذى أبدعه، والآخر يتعرف على أسرار العالم، ويحتبس داخلها فلا يعرف ربه .. والحضارة الحديثة يمكن أن تدان من هذا الجانب، بيد أن الأمر يحتاج إلى قليل من التفصيل، ومن يدرى؟ ربما كان أهل الإيمان هم الذين يدانون قبل غيرهم عندما تحدد التبعات وتنصب موازين العدالة ... !! عندئذ يعرف أن السبب الأكبر في شيوع الإلحاد، وهجر الدين، هو تصرف جمهور المتدينين وتفكيرهم. ما الذى يجعل الحضارة الحديثة -كما نطلب- تغالى بالإيمان وتتحمس للرحمن؟ * إذا نظرنا للمسيحية التى تسود الغرب وجدناها قبلت من الإضافات والبدع ما يستحيل على العقل البشرى قبوله. ومن حق هذا العقل أن يرفض النقائض ويعتزل دعاتها ويسير بعيدا عنهما. والحضارة الحديثة في خصومتها للمسيحية معذورة. * وإذا نظرنا للإسلام وجدنا أهله أبعد الناس عنه، ومن حق الأحياء أن يطرحوا دينا زهد فيه أهله أنفسهم. إن المسلمين مع تقصيرهم في جنب الإسلام علما وعملا يلاحظ عليهم من قديم الزمان تناقض غريب، فهم مؤمنون -دون خلاف- بعموم الرسالة الإسلامية، وأن محمدًا رحمة للعالمين، وأن دعوته تحيط بالقارات الخمس. ومع ذلك فإن سياستهم العلمية جعلت الإسلام رسالة عربية وحسب. فهم لم يحسنوا تمكين الروابط الثقافية بين الأجناس الداخلة في الإسلام، ولا بين الأجناس التى لم تدخل فيه. ص _037