الصفحة 133 من 254

والفرنسيون الذين أُسر مليكهم في مصر إبان الحروب الصليبية الأولى ظلوا حتى أيام"نابليون بونابرت"طامعين في إعادة الكرة على الشرق. فإذا فشلوا حربيًا في هزيمة الإسلام، فيجب ألا يفشلوا سياسيًا وثقافيًا، وذاك ما أغراهم بمساندة"محمد على"وتمهيد طريق الإلحاد أمامه. ولم يكن الرجل على نصيب من التقوى يعصمه من هذه الشراك فما لبث أن انزلق. وهكذا أصيب التشريع الإسلامى بضربة موجعة منذ خمسين ومائة سنة .. وتفلّت المسلمين من قيود التشريع الإلهى، ليسى بدعا في تاريخ الأمم، فإن اليهود والنصارى جميعًا سبقوا المسلمين إلى هذه المهارب. والعلة التى جمعت بينهم في العصيان أن تشريعات السماء صارمة، هدفها تطهير الأرض من الجراثيم الخلقية وصيانة الأموال والدماء والأعراض بأسلوب حاسم. فكيف يحتال البشر لارتكاب ما يشتهون أو كيف يتخلصون من ورطات الجريمة إذا سقطوا فيها؟. ليشرع بعضهم لبعض، ولن يكون المشرع ـ مهما ارتقت منزلته ـ إلا إنسانًا منهم، تسبح في دمه جراثيم الخطيئة، فهو إن لم يواقعها رفيق بمن يقارفونها. إنه يتصور نفسه في موقف المجرم المعاقب فيصوغ مواد القانون وبها من المرونة وتقدير الملابسات ما يفسح المجال للمتهم كى ينجو أو يخلص من سقطته بعقوبة يسيرة. وذلك سر جعل الزنا عملا لا نكر فيه، وكذلك الخمر. وهو السر في إبطال القصاص بالنسبة للعاهات والأطراف وما إليها، وتضييق القصاص في جرائم القتل إلى حد مستغرب، وإحاطته بشروط ما أنزل الله بها من سلطان كالترصد وسبق الإصرار!! ونحن نوافق كل رقيق القلب على رحمته بالناس وتلمس الأعذار الملطفات لزلاتهم. بيد أننا ذهلنا عن أصل ضخم جدًا. وهو أن الله أبر بعباده .. وأستر، .. وأغير على حرماتهم وحقوقهم من أى مشرع آخر، فعندما شرع القصاص مثلا قال مبينًا حكمته:"في القصاص حياة". ص _130

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت