الصفحة 134 من 254

أى أن تخفيض عدد الجرائم، وحماية الألوف من أخطارها، ورحمة الجماهير من مغبتها نتائج يضمنها حتما تنفيذ"القصاص". أما هذه الرقة التى تثور ابتداء فهى رقة لو تملكت قلب كل طبيب قبل إجراء الجراحات المطلوبة للشفاء فلن يصح عليل أبدًا ولن يستأصل مرض!!! على أن اعتبار المجرم إنسانًا تطلب له السلامة ويدرأ عنه العقاب، ويفرح بستره وبراءته، وتوضع النظم لإقالته من عثرته، أمر لم يفت الفقه الإسلامى ولم ينسه العلماء في شروحهم وفتاويهم. بل أظن التوسع في ذلك بغير فقه كان الذريعة الأولى لتعطيل أحكام السماء. فإن ملاحظة جانب المخطئ تحولت إلى فوضى ثم إلى جحود، ومكنت للهوى أن يعيث فسادًا في أغلب أقطار العالم إن لم يكن فيها كلها .. وقد حرص الأجانب في علاقتهم بالأمة الإسلامية -خصوصًا إبان ضعفهم- أن يتخلصوا من أحكام الله ولو وردت في كتبهم التى بين أيديهم.

"وفى سنة 1883 أسست المحاكم الأهلية ووكل إليها أن تطبق قوانين العقوبات بعد أن أخذت صورة متناسقة بالنسبة إلى التشريعات السابقة. واعتمد الواضعون لهذه القوانين على التشريع الفرنسى الذى سبق أن استمد عنه"محمد على"باشا. وترك للمحاكم الشرعية يومئذ أن تحكم في الأحوال الشخصية والحسية وشئون الوقف وما شابه ذلك .. !!! ثم عدلت قوانين العقوبات سنة 1 ص 54 تعديلا شاملا، وانضم إلى التشريع الفرنسى كمصدر أول للتشريع، القانون البلجيكى الصادر سنة 1867، والقانون الإيطالى الصادر سنة 18 ص ص والقانون الهندى الصادر سنة 1862 والقانون السودانى الصادر سنة 18 ص ص والأخيران مقتبسان من القانون الإنجليزى. وهكذا تسولت أمة مسلمة مادة فقهها العملى من كل قطر كأنها نبتت على صعيد الدنيا بغتة فليس لها ماضٍ تستمد منه، ولا تاريخ مشحون بالذخائر الرائعة ... تاريخ لو كان لأمة أخرى لكاثرت الناس به وأغرتهم أن يلجأوا إليه .. !! ص _131"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت