الخلق.
قالوا: فإذا كان درك الحواس الخمس، إذا تقدمته الأسباب وأوجبته العلل، فعل المتقدم فيه والموجب له، ودرك الحواس أصل المعرفة وهو المستشهد على الغائب والدليل على الخفي، وبعد صحته تصح المعارف وبعد فساده تفسد، فالذي تستخرجه الأذهان منه وتستشهد عليه كعلم التوحيد والتعديل والتجوير وغامض التأويل وكل ما اظهرته العقول بالبحث وأدركته النفوس بالفكر من كل علم وصناعة، كالحساب والهندسة والصباغة والفلاحة، أجدر أن يكون فعله والمنسوب الى كسبه.
قالوا: فالدليل على [أن] درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترط [نا] من إيجاب الأسباب وتقدم العلل أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك، فلما كان البصر قد يوجد مع عدم الادراك ولا يعدم الادراك مع وجود الفتح، كان ذلك دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح ولم يكن لعلة البصر، لأنه لو كان لعلة صحة البصر كانت الصحة لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود، فإذا كانت الصحة قد توجد مع عدم الإدراك ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك شاهدا على أنه إنما كان لعلة الفتح دون صحة البصر.
وقالوا: ولأن طبيعة البصر قد كانت غير عاملة حتى جعلها الفاتح بالفتح