فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 373

ونحن نعوذ باللّه من التكلف وانتحال ما لا نحسن، ونسأله القصد في القول والعمل، وأن يكون ذلك لوجهه، ولنصرة دينه، إنه قريب مجيب.

فأنا مبتدئ في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب الى العوام من المجوس، وأسلم صدورا عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، وأصغر كفرا، وأهون عذابا.

ولذلك أسباب كثيرة، ووجوه واضحة، يعرفها من نظر، ويجهلها من لم ينظر.

أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط.

وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد.

فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين، والاجتماع بعد الافتراق، والتواصل بعد التقاطع، وشبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ومالئوا الأعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة، إلى المناجزة والمنابذة بالعداوة، فجمعوا كيدهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم، وإخراجهم من ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر، وترادف لذلك الغيظ، وتضاعف البغض، وتمكن الحقد.

وكانت النصارى لبعد ديارهم، من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومهاجره، لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت