فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 373

وأحلامهم وآدابهم وفطنهم؟ فقد صلح بنا كثير من أمور النصارى وغيرهم، وليس النصارى كاليهود، لأن اليهود كلهم من بني إسرائيل إلا القليل. وبعد فلم يضرب فيهم غيرهم لأن مناكحهم مقصورة فيهم ومحبوسة عليهم قصورا ولهم مؤداة إلى آخره، وعقول أسلافهم مردودة على أخلافهم ثم اعتبر بقولهم لنبيهم عليه السلام:

اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها وكقولهم أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وكعكوفهم على عجل صنع من حليهم يعبدونه من دون اللّه بعد أن أراهم من الآيات ما أراهم، وكقولهم فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فكان الذي جاء به موسى عليه السلام مع نقص بني إسرائيل والقبط مثل الذي جاء به محمد مع رجحان قريش والعرب. وكذلك وعد محمد عليه الصلاة والسلام بنار الأبد كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء الهلاس على زروعهم والهم على أفئدتهم وتسليط الموتان على ماشيتهم وباخراجهم من ديارهم وأن يظفر بهم عدوهم، فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم وردعهم عما يريد بهم وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد المؤخر لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب أصحاب العقول التى تذهب في المذاهب فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم ومراشدهم في دينهم.

مع أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مخصوص بعلامة لها في العقل موقع كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة وللعرب عامة مع ما فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء والدعاة والحلماء وأصحاب الرأي والمكيدة والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي وصدقتهم في تكذيبي. ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم والكلام كلامهم وهو سيد عملهم قد فاض بيانهم وجاشت به صدورهم وغلبتهم قوتهم عليه عند أنفسهم حتى قالوا في الحيات والعقارب والذئاب والكلاب والخنافس والجعلان والحمير والحمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت