ومن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سقط، ومن خرق بنفسه وكلفها فوق طاقتها ولم ينل ما لا يقدر عليه تفلت منه ما كان يقدر عليه.
فإذا كانوا كذلك فانما أتوا من قبل أنفسهم ولم يؤتوا من سلفهم، أو لأن اللّه تبارك وتعالى صرف أسلافنا بنسيان أو غيره ليمتحن بذلك غيرهم في آخر الزمان، وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه والاحتجاج لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم، وليجري هذا الخير على أيديهم كما أجرى أكثر منه على أيدي أسلافهم، لئلا يبخس أحد خليقته من العلماء والفقهاء، ولأن يجعل فضله مقسما بين جميع الأولياء، وإن كان الأول أحق بالتقديم والآخر أحق بالتأخير للذي قدموا من الاحتمال وأعطوا من المجهود، ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق بالقوة من الفرع، وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا لنا وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دوننا المرار ومنحونا روح الكفاية، ولأن اللّه تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم، ولأن القرآن نطق بفضيلتهم واللّه تعالى أعلم بمن بعدهم.
والذي جمع أسلافنا الذين جمعوا الناس على قراءة زيد دون أبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود، والذين رأوا من قول عبد اللّه في المعوذتين وقول أبي في سورتي العرب ومن تعلق الناس بالاختلاف فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف الشاذ ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا ان تحصينه لا يتم إلا بحمل الناس على المقروء عندهم المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك لم ينقطع الطمع ولم ينزجر الطير. لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة لتبين له في نظامها ومخرجها وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها، وليس ذلك في الحرف والحرفين والكلمة والكلمتين! ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد للّه وإنا للّه وعلى اللّه توكلنا وربنا