عاملة، ولأن الفتح علة الإدراك ومقدمة بين يديه وتوطئة له، وليس الإدراك علة للفتح ولا مقدمة بين يديه ولا توطئة له، فواجب أن يكون فعل الفاتح لأن السبب إذا كان موجبا فالمسبب تبع له.
ثم قالوا بعد الفراغ من درك الحواس في معرفة اللّه ورسله وكل ما فيه الاختلاف والتنازع: إن ذلك أجمع لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون يحدث من الإنسان لعلة النظر المتقدم، أو يكون يحدث على الابتداء لا عن علة موجبة وسبب متقدم، فإن كانوا أحدثوه على الابتداء فلا فعل أولى بالاختيار ولا أبعد من الاضطرار منه، وإن كان إنما كان لعلة النظر المتقدم كما قد دللنا في صدر الكلام على أن درك الحواس فعل الإنسان إذا تقدم منه سببه، فالعلم باللّه وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله، إذ كان من أجل نظره علم ومن جهة بحثه أدرك، فهذا جمل دلائل هؤلاء القوم ورئيسهم بشر بن المعتمر.
ثم هم بعد ذلك مختلفون في درك الحواس إلا ما اعتمد إدراكه بعينه وقصد إليه بالفتح والإرادة، لأن الفتح نفسه لو لم يكن معه قصد وإرادة ما كان فعل الفاتح، فكيف يجوز أن يكون الإدراك فعله من غير قصد؟ ولو جاز أن يكون الفتح فعل الإنسان من غير أن يكون أراده وقصد إليه، ما كان بين فعل الإنسان وبين فعل غيره فرق، لأنه كان لا يجوز أن يكون ذهاب الحجر إذا لم يدفعه ولم يقصد إليه ولم يخطر له على بال، فعله، فكذلك الإدراك إذا لم يخطر على باله ولم يقصد إليه ولم يتعمده، لا يكون فعله.