آخرون: زيد بن حارثة. وقال قوم: خباب. ولم نجد قول كل واحد من هذه الفرق قاطعا لعذر صاحبه ولا ناقلا له عن مذهبه. وإن كانت الرواية في تقديم عليّ أشهر واللفظ به أكثر وأظهر. وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الاسلام بمهجهم والماشين إلى الأقران بسيوفهم وجدناهم مختلفين، فمن قائل: علي. ومن قائل:
ابنا عفراء. ومن قائل: أبو دجانة. ومن قائل: محمد بن مسلمة. ومن قائل:
طلحة. ومن قائل: البراء بن مالك. على أن لعلي من قتل الأقران والفرسان والأكفاء ما ليس لهم. فلا أقل من أن يكون عليّ في طبقتهم. وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء رأيناهم يعدون عليا وعمر وعبد اللّه بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي ابن كعب. على أن عليا كان أفقههم، لأنه كان يسأل ولا يسأل ويفتي ولا يستفتي ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم. ولكن لا أقل من ان نجعله في طبقتهم وكأحدهم.
وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف والمعروفين برفض الدنيا وخلعها والزهد فيها قالوا: علي وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ذر وعمار وبلال وعثمان بن مظعون. على أن عليا أزهدهم، لأنه شاركهم في خشونة الملبس وجشوبة المأكل والرضا باليسير والتبلغ بالحقير وظلف النفس عن الفضول ومخالفة الشهوات، وفارقهم بأن ملك بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم، فكان ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين، ورقع سراويله بأدم، وقطع ما فضل من ردائه عن أطراف أصابعه بالشفرة، في أمور كثيرة. مع أن زهده أفضل من زهدهم لأنه أعلم منهم، وعبادة العالم ليست كعبادة غيره كما أن زلته ليست كزلة غيره. فلا أقل من أن نعده في طبقتهم. ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر وزيد وخباب مثل الذي ذكروا له من بذل النفس والغناء والذب عن الاسلام بالسيف. ولم نجدهم ذكروا للزبير وابني عفراء وأبي دجانة والبراء بن مالك مثل الذي ذكروا له من التقدم في الاسلام والزهد والفقه. ولم نجدهم ذكروا أبا بكر وزيدا وخبابا في طبقة ابن مسعود وأبي بن كعب كما ذكروا عليا في طبقتهما، ولا ذكروا (أبا) بكر وزيدا وخبابا في طبقة معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأبي بن كعب وعمار وبلال وعثمان بن مظعون كما ذكروا عليا في طبقتهم. فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه متفرقة في