ثم يستقرض إذا أعسر ولا يرد، ويسأل الحوائج فلا يمنع، ويلقى أبدا بالإعظام، ويكنى إذا نودي، ويفدى إذا ادعى، ويحيا بطرائف الأخبار، ويطلع على مكنون الأسرار، ويتغاير الربطاء عليه، ويتبادرون في بره، ويتشاحون في وده، ويتفاخرون بإيثاره.
ولا نعلم هذه الصفة إلا للخلفاء: يعطون فوق ما يأخذون، وتحصل بهم الرغائب، ويدرك منهم الغنى.
والمقين يأخذ الجوهر ويعطي العرض، ويفوز بالعين ويعطي الأثر، ويبيع الريح الهابة بالذهب الجامد، وفلذ اللجين والعسجد. وبين المرابطين وبين ما يريدون منه خرط القتاد، لأن صاحب القيان لو لم يترك اعطاء المربوط سؤله عفة ونزاهة، لتركه حذقا واختيارا، وشحا على صناعته، ودفعا عن حريم ضيعته، لأن العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة نقص تسعة أعشار عشقة، ونقص من بره ورفده بقدر ما نقص من عشقه. فما الذي يحمل المقين على أن يهبك جاريته، ويكسر وجهه ويصرف الرغبة عنه.
ولولا أنه مثل في هذه الصناعة الكريمة الشريفة لم يسقط الغيرة عن جواريه ويعنى بأخبار الرقباء، ويأخذ أجرة المبيت ويتنادم قبل العشاء، ويعرض عن الغمزة، ويغفر القبلة، ويتغافل عن الإشارة، ويتعامى عن المكاتبة، ويتناسى الجارية يوم الزيارة، ولا يعاتبها على المبيت، ولا يغض ختام سرها، ولا يسألها عن خبرها في ليلها، ولا يعبأ بأن تقفل الأبواب، ويشدد الحجاب، ويعد لكل مربوط عدة على حدة، ويعرف ما يصلح لكل واحد منهن، كما يميز التاجر أصناف تجارته فيسعرها على مقاديرها. ويعرف صاحب الضياع أراضيه لمزارع الخضر والحنطة والشعير. فمن كان ذا جاه من الربطاء اعتمد على جاهه وسأله الحوائج. ومن كان ذا مال ولا جاه له استقرض منه بلا عينة. ومن كان من السلطان بسبب كفيت به عادية الشرط والأعوان، وأعلنت في زيارته الطبول والسراني، مثل سلمة الفقاعي، وحمدون الصحنائي، وعلي الفامي، وحجر