في سجال محمود شاكر المطول مع لويس عوض الذي تألف من مجموع مقالاته مجلد كبير من جزئين (نشره شاكر بعنوان"أباطيل وأسمار") كثير من الإنشاء الساخر الهجائي الذي يشتت الموضوع ولا يحتاج إليه القارئ (وإن كنت لا أرى من حق المصطادين في الماء العكر أن يتخذوه حجة لإهمال جوهر المحاججات الشاكرية. إن شاكرًا قد"ضبط لويس عوض متلبسًا"بأنواع من الجهل هيهات أن تفيد في تغطيتها تهجمات أصحاب عوض والمعجبين به)
ما أثار إعجابي في هذه المساجلة العنيدة المطولة مع لويس عوض (وآخرين أحيانًا ممن دخلوا على الخط مثل مندور والحكيم وغيرهما) والتي نشرت كما قلنا أولًا في مجلة"الرسالة"هو الإحساس الدقيق بالاختلاف الثقافي. وآمل أن أوضح للقارئ فورًا ما أعنيه بهذا الاختلاف بصورة عامة ولكن التفصيل لا يمكن أن تفيه هذه الدراسة حقه.
إذا كانت كلمات اللغة تعرف ظاهرة"الترادف"، أي اشتراك لفظين في معنى واحد، فإنها تعرف ظاهرة معاكسة هي ظاهرة"الاشتراك"، وهي اشتراك معنيين مختلفين بلفظ واحد. والإشكال في ظاهرة الاشتراك هو أنها مولد سوء التفاهم. الاشتراك إذن هو اتحاد"الدال"واختلاف"المدلول".
وفي العلاقات بين الثقافات المختلفة تبرز للعيان ظاهرة اشتراك حين تتشابه في الاسم أو الشكل بعض مكونات ثقافتين مختلفتين وتختلفان في المضمون وينشأ هنا أيضًا سوء فهم أو سوء تفاهم (سوء التفاهم هو سوء فهم متبادل!)
سوء التفاهم الثقافي الناتج عن ظاهرة الاشتراك لا يخص العلاقة بين ثقافتين مختلفتين كليًا (الغرب والإسلام) أو جزئيًا (فلاحينا و أهل مدننا مثلًا) فقط بل يخص أيضًا العلاقة مع التاريخ. وقد تنبه إلى ذلك ابن خلدون ولاحظه في مقدمته في جملة ملاحظاته العبقرية حين تكلم عن"دور الغفلة عن تغير الزمان في أخطاء المؤرخين"
إن التنبه لظاهرة"الاشتراك الثقافي"مقدمة معرفية ضرورية للتيار التأصيلي فبدونها تضيع الحدود وتتشوه المكونات الثقافية بألوان من النشازات الغريبة. وقد تنبه لهذا محمود شاكر وسنضرب للقارئ أمثلة على نضال محمود شاكر ضد هذا الالتباس الثقافي الناتج عن غباء أحيانًا وعن سوء نية أحيانًا أخرى.
أ-نقد"المركزية الأوروبية"عند توينبي:
يقول شاكر:"آفة العقل الأوروبي، أنه لا يرى في الدنيا إلا نفسه، ولا ينظر إلى الحضارات إلا من خلال ماضيه وحاضره"وهذا التنبه للظاهرة التي نسميها نحن الآن"المركزية الأوروبية"هو من فضائل شاكر المرموقة حقًا وهي دليل إضافي على تميزه عن أفراد جيله في نقاط حاسمة.
توينبي يقول إن اللغة العربية الفصحى هي"اللغة الدينية"للمسلمين وشاكر يقول:"توينبي معذور، حين يعد اللغة الفصحى هي اللغة الدينية لجميع البلدان الإسلامية حتى تلك التي لا تستخدمها في التخاطب. ومن العبث أحيانًا إفهام العقل الأوروبي بعض الحقائق التي لا تطابق ما يتصوّر" ("أباطيل .."-ص237)
وسبب هذا الالتباس هو الاشتراك بين دالين لهما مدلولان مختلفان: إن"الكتاب المقدّس"هو في أوروبا كتاب للتعبد والصلاة لا يكاد يستخدم في غير ذلك على حين أن القرآن كتاب موجه لكل نواحي الحياة الخاصة والعامة عند المسلمين ومن هنا فإنهم لا يتعبدون بتلاوته وحسب ولكنه يطلب منهم أيضًا فهم القرآن لتطبيقه في الحياة وقد جاء الالتباس من المقارنة بين ظاهرتين متشابهتين في الشكل: تلاوة كل من الأوروبيين وأغلب المسلمين لنصوص دينية بغض النظر عن معناها وقاد هذا إلى سوء الفهم الخاص بظاهرة الاشتراك: الافتراض بأن تشابه الدالين يعني تشابهًا في المدلولين أيضًا.
ب-نقد شاكر لاستعمال ألفاظ"الخطيئة"و"الخلاص"و"الفداء"و"الصلب"في الشعر العربي الحديث:
شعراؤنا الحديثون يتعاملون في كثير جدًا من الحالات مع الكلمات بطريقة الطفل الذي يعجبه بريق الأشياء ويغفل عن مضمونها فتراهم يسارعون إلى الكلمات البراقة التي فيها جديد وتوحي بمضمون عميق قد يكون سرابًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)