أما المرحلة الثالثة فهي: توثيق النقول الواردة في الكتاب بردِّ كل قول إلى قائله من كتابه الذي قال فيه ذلك القول، وهذا الأمر لم يفعل فيه المحقق شيئًا، مع أنَّ هذا الأمر في غاية الأهمية، ومقارنة النقل مع النص الأصلي للقيام بعملين معًا وهما: التوثيق للنقل، والتوثق من صحته وصحة فهم المؤلف له من خلال استشهاده به، إذ لا يخفى أنَّ كثيرًا من الآفات تنشأ عن سوء النقل أو سوء الفهم للنص.
أما الخطوة الرابعة فيما يخص التحقيق فهي شرح الغريب، والتعليق على النص والتوضيح للمبهم منه، وهذا غالبًا ما يكون عند المسائل المشكلة، أو الاجتهادات المختلفة، وهذا لم يقم به المحقق أبدًا، بل إنه ترك كثيرًا من المسائل التي تحتاج إلى تعليق غفلًا عن ذلك، وترك القارئ في حيرة بدلًا من إزالتها عنه.
وبعد هذا نتساءل ماذا تحقق من مقولة (( دراسة وتحقيق ) ).؟؟!!
بل إنَّ الترجمة التي ساقها المحقق لمرعي رحمه الله منقولة بحروفها من جهد الدكتور نجم عبد الحمن خلف في تحقيقه لكتاب (( الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية ) )لمرعي، وكذلك سرد المصنفات لم يزد عليها المحقق شيئًا.
وبهذا يتبتن أنَّ الأستاذ عادل الجطيلي لو أراد تحقيق مقولة (( دراسة وتحقيق ) )لجاء الكتاب في ضعف حجمه على الأقل، مما يقتضيه العمل، لا مما يتطلبه النفخ كما يفعل بعض المحققين.
هذه ملحوظات إجمالية على عمله، ولابد من ذكر تفصيل لكثير مما أجملت، وذلك بتتبع عمل المحقق فيما اقتصر عليه وهو ترجمة الأعلام وتخريج الأحاديث.
القسم الأول: الملحوظات على التراجم.
أولًا - لقد ترجم المحقق لأغلب الأعلام الواردين في الكتاب، ومن ضمنهم جملة من الأعلام المشهورين،والذين طبقت شهرتهم الآفاق، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة المتبوعين؛ أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله جميعًا، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ولا يخفى على أحدٍ أن هؤلاء الأعلام وأمثالهم من الصحابة المشهورين والأعلام البارزين لا يحتاجون لترجمة، لأنَّ الترجمة هي تعريف بالعلم، فعندما يكون العلم معروفًا ومشهورًا تصبح ترجمته لغوًا لا فائدة منه، إن لم تكن نتيجتها عكسية، لأن التعريف بالمعروف يجعله مجهولًا أو مغمورًا. وانظر في هذا الصدد (ص 25، 42، 46، 47، 57.
ثانيًا - وفي المقابل فقد ترك الترجمة لأعلام غير معروفين للقارئ العادي وهم عنده في حكم المجهولين، بل لا يكاد المتخصص يعرف عنهم شيئًا فكيف بالعامي؟! وهو في هذا يخالف ما درج عليه من الترجمة لكل أحد، ومن أمثلة الذين ترك ترجمتهم: الوزير الفاطمي طلائع بن زريك، والخليفة الفاطمي الفائز عيسى، وعبد الله بن زياد، انظر لهذا كله ص125، وغير ذلك كثير، انظر مثلًا: (66، 72، 73، 74، .. )
ثالثًا - يلاحظ أنَّ الأستاذ عادل لم يرجع في ترجمته للأعلام إلى المصادر الأصلية أو القريبة منها، ولا حتى تلك التي تقع في الدرجة الثانية أو الثالثة، ففي ترجمة الذهبي ص42 لم يذكر أي مصدر!! وفي ترجمة السيوطي ص176 ذكر كشف الظنون مصدرًا وحيدًا للترجمة!! مع أن السيوطي ترجم لنفسه ترجمة حافلة في كتابه (( حسن المحاضرة ) )، فلو أنَّ المحقق ذكره واقتصر عليه لما انتُقد.
إذًا فاختيار مصادر المعلومات أمرٌ في غاية الأهمية، وينبغي للمحقق أن يراعي عدة أمور في اختيار مصادر الترجمة،حتى يكون عمله سليمًا واختياره موفقًا، وهذه الأمور هي:
أ- الرجوع إلى المصدر الأقرب زمانيًا قدر الإمكان، أو الرجوع إلى كتب التراجم والتواريخ التي غطت المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها المُتَرجَم، وترجمة العالم لنفسه تكون في الدرجة العليا من هذا الصنف.
ب- الرجوع إلى المصدر الذي يخص حالة المُترجَم، فالمحدث يترجم من كتب طبقات الحفاظ والمحدثين، والمفسر من طبقات المفسرين، والأديب واللغوي من طبقات الأدباء واللغويين، وكذا أصحاب المذاهب الفقهية، وطبقات أصحاب المذاهب العقدية كالأشاعرة، والمعتزلة، والشيعة، فكلٌ من هؤلاء يُرجَع في ترجمته إلى الكتب التي تخصصت بجمع أعلام مذهبه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)