المدلس؛ فيصبح السند أمام الناظر سندًا جيدًا ليس فيه بأس، فإذا كان هذان الثقتان قد تلاقيا فكيف تكتشفه؟ يقول: حدثني فلان وهو ثقة عن فلان ثقة وبينهما راوٍ ضعيف أسقطه هذا المدلس؛ وهذا الثقة قد سمع من الثقة الآخر وعاصره، فمن ذا الذي يكتشفه؟ فلذلك عدوا هذا شر أنواع التدليس لصعوبة اكتشافه، لكن هيأ الله للأمة من يكتشف هذا وغيره، ويكون الإسناد مستويًا في هذه الحالة أمامك، كلهم ثقات قد لقي بعضهم بعضًا وسمع بعضهم من بعض، والتدليس مذموم ومردود وهو أخو الكذب، لكن قد حفظوا لنا أمثلة عن ناس لم يدلسوا إلا عن ثقات، يُسقط راويًا ثم يكتشف العلماء أن هذا كلما أسقط راوياًَ فإن المسقط ثقة، ولا يكاد يعرف بهذا إلا سفيان بن عيينة رحمه الله، فإنه لا يدلس إلا عن ثقة، ولذلك فإن تدليسه محمول.
أعلى الصفحة
الفرق بين التدليس والإرسال الخفي
فإن قال قائل: ما هو الفرق بين التدليس والإرسال الخفي؟ لأن هذه النقطة تُشكل وفهمها قد يصعب، ولكن أبان ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغيره. فالمرسل الخفي أن يروي شخصٌ عن معاصرٍ لم يلقه، شخص عاصر الراوي وجد في عصره لكن ما لقيه. فالتدليس يختص بمن روى عمن عُرف لقاؤه إياه، فإذا عاصره ولكن لم يلقه فيسمى مرسلًا خفيًا. وتضمن البيت كذلك الحديث المردود، والمردود كثير: الضعيف، والمرسل، والموقوف، والمنكر، والمعضل، والمعلق؛ كلها أحاديث عند قضية الأخذ والرد تكون مردودة، فإنها ترد ولا تقبل ولا يُعمل بها. أما قوله: المهمل. فهذا من صفات الراوي، كأن يكون راوٍ يروي عن اثنين متفقين اسمًا، لكن اختص بأحدهما دون الآخر، الراوي هذا اختص بالسماع من هذا الشيخ المعين الذي اسمه مشابه لشيخ آخر سمع منه الراوي لكن هو مختص بأحدهما، فهذا الذي اختص به المشهور، والآخر يقال عنه: مهمل. أما قوله: الزور: وهو الحديث المكذوب الموضوع وسيأتي.
أعلى الصفحة
تعريف الاتصال والانقطاع
أقضي زمان فيك متصل الأسى ومنقطعًا عما به أتوصل
س: فماذا تضمن هذا من أنواع الحديث؟ ج: تضمن المتصل، والمنقطع. فأما الحديث المتصل فهو الذي اتصل إسناده فكان كل واحد من رواته سمع ممن فوقه، فإذا كان متصل السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسمى مرفوعًا متصلًا، وإذا اتصل إسناده إلى الصحابي فيسمى موقوفًا متصلًا، وإذا اتصل إسناده إلى التابعي فيسمى مقطوعًا متصلًا. والمنقطع غير المقطوع. أما المنقطع: فهو ما سقط من رواته غير الصحابي؛ لأنه لو سقط الصحابي لكان مرسلًا كما قلنا، أو سقط اثنان غير متواليين؛ لأنه لو كان الاثنان متواليين فيسمى معضلًا
أقسام تحمل الحديث وتعريف الإدراج
وها أنا في أكفان هجرك مدرجٌ تكلفني ما لا أطيق فأحمل
س: ماذا ذكر في هذا البيت؟ ج: المدرج، ومسألة في المصطلح، وهي التحمل. أما بالنسبة للمدرج: فهو ما أدرج من كلام الرواة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يذكر الصحابي كلامًا أثناء الحديث أو بعد الحديث مباشرة، فيتوهم السامع أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بينما هو تعليق صحابي على الحديث. وقد يكون الإدراج مدحًا لصاحب الفعل، قد يكون تفسيرًا كما جاء في حديث البخاري: (وكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوت العدد -وهو التعبد-) فكان الإدراج في شرح لفظة، فيتوهم من لا علم عنده أن الكل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والواقع خلاف ذلك. فكيف يعرف الإدراج؟ مثل حديث: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فهذه الجملة الأخيرة: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) هي من كلام أبي هريرة رضي الله عنه. كيف يُعرف أن هذا إدراج؟ أولًا: أن يرويه راوٍ آخر عن الصحابي دون إدراج. ثانيًا: أن ينص على أنه من كلامه. ثالثًا: أن ينص بعض الأئمة المطلعين على أنه إدراج. رابعًا: استحالة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبارة، كما لو قال الزهري مثلًا: وفي أيامنا كذا، أو يذكر في عهد خليفة، تعليقًا على الحديث، ويُعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول ذلك، وقد يكون الإدراج في أول الحديث، وقد يكون في وسط الحديث، وقد يكون في آخر الحديث وهو الأكثر. وهذا مدرج في المتن، وهناك مدرج في السند أيضًا، كأن يكون هناك شخص سمع الحديث من طريقين فيذكر أحد الطريقين فقط
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)