فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 57706 من 72678

ويشتغل المحرّك الاحتياطي .. ونتحرك باتجاه الشاطئ .. وأفاجأ بأن الخزان المجاور للمحرك قد امتلأ بالماء لأسباب لا أعلمها حتى الآن .. وربما يكون لحدوث تهريب من صُرّة القارب المعدّة لتنظيفه على الشاطئ ..

وهنا تتصاعد أنفاسي .. ويحاصرني القلق .. ويداهمني الخوف -ليس على نفسي فأنا أجيد السباحة ولله الحمد- ولكن على ذلك الشيخ الفاضل الذي نفع الله بعلمه القاصي والداني .. وفتح الله له قلوب الناس .. وأظهر الله به السنّة .. واعتصرني الألم على ابنه الصغير ..

وهممتُ أنزحُ الماء والشيخُ يساعدني .. ولكن هيهات .. إنما هي لحيظات قليلة ويختلُّ توازن المركب من الخلف .. ليغوص في قوّة وسرعة باتجاه عمق البحر .. وفي غمرة الحدث يلقي الشيخ إليّ بابنه أنس لأتلقفه .. وتبتلعنا دوامة الموج التي أحدثها القارب لأغوص مع الطفل الصغير في الأعماق .. وأصعد بصعوبة بالغة .. لقد كانت هذه اللحظة من أحرج اللحظات في حياتي .. لأن الموقف كان أقوى من مهارات السباحة التي أجيدها .. ولقد كدت أن أفقد الطفل في عصفة الموج وهول الصدمة لولا توفيق الله وعنايته وتثبيته ...

ونعود للسطح بعد هدأة العاصفة وأنا أمسكُ بالطفل .. وكلّي تساؤل عن حال الشيخ ومآله .. ولقد أيقنت أنه لن ينجو من ذلك الموقف أبدا لأنّه لا يجيد السباحة .. ولكن بفضل الله وجدت صاحبي ممسكا بجالون فارغ .. ومن كرم الله ولطفه أن تلك الحركة السريعة للقارب تسببت في فتح صندوقٍ مغلقٍ كان يحوي أطواق النجاة والتي طفت بدورها على سطح الماء .. ألقيت بطوق نجاة لصاحبي والذي استعاد توازنه .. وجذبت طوقا آخر لي .. لتبدأ الرحلة الشاقة الشاقة في الوصول إلى الشاطئ البعيد ..

سبحان الله .. إنها مجرد ثوان معدودة تلك التي تفصل بين الأمان والخوف .. والمتعة والمشقة .. والنعمة والنقمة .. والسكون والعاصفة ..

خلق الله هذا البحر السادر الهادر .. فما أجمله في سكونه وهدوئه وصفائه وعظمته وانشراحه .. ولكن -أيضا- ما أسرع غدرته، وما أقوى ثورته، وما أشد صولته .. وما أعظم سطوته ..

فيه روعة جمال .. وعليه مهابة وخشوع .. وله طعنة لا تكاد تخطئ!!

إنه -بقدرة الله تعالى- يحمل الأرزاق .. ويقطع الأعمار ..

إنّه يبعث الأمل .. ويجلبُ الألم ..

إنّه يبهج الناظر .. ويحزن المُثكل ..

كم من بعيدٍ قرّبه .. وكم من قريبٍ بعّده ..

ربما يحمل المرضى إلى مواطن الاستشفاء .. وربما يهلك الأصحّاء ويبتلع الأحياء ..

لقد تحولّت تلك الصَدَفة الزرقاء إلى خطر أحمر .. وتبدّل ذلك الصفاء إلى طوفان هادر .. وتلك النفوس التي كانت قبيلُ منشرحة تضيق الآن بتزاحم مشاعر الخوف والحزن وتأنيب الضمير والرجاء في فرج الله .. وقد تحشرج الصدر واستحكم الأمر فلا منجى من الله إلا إليه .. ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ....

كان الوقت قبيل الغروب .. وكنت أرجو من الله أن يسخّر لنا من حرس الحدود أو من الصيادين من يعبر بالقرب منّا فيمد لنا يد العون والمساعدة .. وتتطاول الدقائق فكأنما هي السنوات .. ويضمحل الرجاء فيما سوى الله من أسباب .. ويتلاشى الأمل مع إغماضة الشمس لعينيها لتسدل الستار على يوم عصيب لا زلنا نكابد لحظاته ونتجرع سكراته .. وتتركنا الشمس على صورة رجل يحمل طفلا صغيرا يصارع به الأمواج .. ورجل آخر متعلّق بجالون وطوق نجاة هما -بالنسبة له- كل ما تبقى له من أهداب الحياة وأسباب النجاة -بعد حفظ الله عز وجل-.

لقد كان الشيخُ أثبت منّي إيمانًا وأقوى عزمًا، وأقرب إلى الله عزّ وجلّ، حيث أخذ يشد من عزمي، ويذكرني بالله عزّ وجلّ، واللجوء إليه في الشدائد، ويتلو عليّ أدعية الهمّ والكرب ودعاء يونس عليه السلام، بل بيّن لي أحكام الوضوء وكيفيّة الصلاة في مثل هذا الوضع .. وأوصاني بإشغال قلبي ولساني بالذكر ..

إنها طبيعة الإيمان الصادق والعقيدة الراسخة حينما تتجلى ثمراتهما في أحلك الظروف، حينما تحمرّ عاصفة البلاء، ويهيج طوفان الفتن، فإذا القلوب المفعمة بالإيمان الحق والعقيدة الصافية ترسخ رسوخ الجبال فلا تميل ولا تحيد، بل تقف كالملاذ الآمن لدهماء الناس، وتقترب كالشاطئ الساكن الذي يتلقف الغرقى من كماشة الهلاك ..

كان الشيخ قريبا مني يؤنسني ويثبتني ويهوّن المصاب في عيني، ويبعث الأمل في فرج الله .. وكان ينادي علي بين الحين والآخر ..

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت