فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 57707 من 72678

يستلقي الشيخ على ظهره ممسكا بأطواق نجاته .. وهو وضع يصعب معه رؤية ما حوله .. ثم يسمع صوتا فينادي عليّ مبشرًا بقدوم قارب .. وألتفت يمنة ويسرةً بقدر ما يسمح لي الظرف .. ولكن يتبيّن لي بأنها طائرة عمودية .. ولقد ظننتها جاءت تبحث عنّا حيثُ لوّحت بيدي وصرخت .. ولكن .... لا حياة لمن تُنادي

وتتماوج بنا حركة البحر صعودًا ونزولا، واقترابًا وابتعادًا، وأدركت أننا سنفترق بحكم اتجاهات الموج ..

لقد كانت جميع الاحتمالات واردة، فإما أن يمنّ الله علينا بالسلامة، أو أن أهلك ومعي الطفل، أو أنجو أنا ويهلك الطفل أو أن يهلك الشيخ، بل إن مزالق الموت حينها أقرب لنا من جسور الحياة .. وعندها طلبت من الشيخ - تحت وابل من تأنيب الضمير- أن يسامحني وأن يحللني مما اقترفته في حقّه وحق ابنه وعائلته إنْ حصل مكروه .. كلُّ ذلك انطلاقًا من شعوري بالتقصير لأنني كنتُ من اقترح الرحلة وأعد القارب وخطّط للنزهة ..

ويحينُ علينا وقت صلاة المغرب وعملتُ بوصيّة الشيخ فنويت الوضوء على وضعي وصليت المغرب في عرض البحر خائفا أترقب .. ويدلهّم الليل، لم أعد استطيع أن أرى صاحبي ولكني لا زلتُ أسمع صوته، كان يناديني بين الفينة والفينة: يا إبراهيم كيف حالك؟ وكيف حال (أنس) ؟ فأردُّ عليه مباشرة: كلانا بخير، ينقطع الصوت فترة فأناديه: يا أبا أنس كيف حالك؟ فيقول: أنا بخير، وهكذا ...

وبدأ الصوت يتلاشى تدريجيًا بسبب تباعدنا، والموج يحمل كلا منّا إلى جهة .. ومرت دقائق قليلة حتى يخيل لي أني أسمع صوته يناديني ولا أدري هل كان يناديني أم هو مجرد استرجاع لصوته السابق!! وحتى أقطع الشك باليقين أصبحت أناديه بصوتٍ عالٍ فلا أسمع أي إجابة!! وأدركت حينها أن الوداع قد حلّ وأن الأمر أصبح أكثر صعوبة عليّ من السابق .. حيثُ بدأت أفتقد صاحبي الفاضل بصوته المؤنس، وكلماته المثبّته، وقُربه الدافئ، وأذكاره المضيئة التي تنير هذا الأفق المظلم، وتبعث الأمن في النفس المضطربة، وتفتح أبواب الرجاء من فرج الله .. لقد أصبح ابتلائي الآن أشد من ذي قبل، حيث وجدت نفسي أهيمُ في ظلمة الليل الداجي، ولجّة البحر السحيق، على الخط الحدودي الفاصل بين فسحة الحياة وقبضة الموت، وأنا أحمل بين يدي أمانة عظيمة، ووديعة غالية هي ذلك الطفل الصغير بدمه ولحمه ومشاعره البريئة، وهو غافل عمّا يدورُ حوله، أحمل في عنقي أمانة رعايته وحفظه بما أحفظُ به نفسي .. يا لها من وحشة .. ويا لها من مسئولية, ويا له من بلاء!!!!

أراك هجرتني هجرًا طويلًا ** وما عوّدْتني من قبل ذاكا

يعز علي حين أدير عيني ** أفتش في مكانك لا أراكا

وما فارقتني طوعا ولكن ** دهاكَ من المصائب ما دهاكا

ويقوم الشيطان بدوره المعهود في إثارة الشكوك ليزيد حُزني، وليفتَّ في عزمي، ويثير التساؤلات الكثيرة: أين صاحبي؟! لماذا لا يرد على نداءاتي؟! لماذا خفت صوتُه؟! إنه لا يجيدُ السباحة!! ربما أصابه الإعياء!! ربما غمره الموج!! فأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ..

ثم يبدأ انسُ بتساؤلاته البريئة: وين رايحين يا عمو؟!! أين السمكة الكبيرة التي صدناها؟! ثم تتصاعد حدّة الأسئلة مع افتقاد أبيه ومع الإرهاق والتعب فيسأل عن والده: أين أبي؟! لماذا لا أراه؟!! أريد والدي .. ثم يبكي .. ويدفعني بيديه وقدميه ليحرر نفسه من قبضة هذا الرجل الذي لم يألفه بعد ...

لم تكن تساؤلات أنس مجرد استفهامات عابرة لمن هو في مثل حالي .. لقد كانت كالنصال الحادّة التي تنهش في فؤادي وأنا أصارع الموت وأسير نحو المجهول المرعب، وكانت كالسياط المؤلمة التي تسلخ جلدي وأنا أشعر بتمام مسئوليتي عمّا حدث، وكانت كالكابوس المزعج الذي تتمنى أن تستيقظ منه لتجدك على مُتّكئ السلامة أو سرير الدّعة .. يا الله!! ما أصعب الموقف!! فأمامي مهمة تنوء بحملها الجبال الرواسي .. فهل أتمكن من قطع هذه المسافة الطويلة!! أم تعتريني فيها الأخطار المترصّدة!! إعياء منهك .. أو أسماك قرش تدور .. أو موج يهتاج!! أو عارض آخر .. ويلتفت قلبي إلى الخلف فيكاد يتقطّع على الشيخ .. ما حالُه!! .. يا ترى هل نلتقي أم أن تلك اللحظات كانت آخر سطر في دفتر ذكرياتي معه!!!

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت