فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 57709 من 72678

وتطوف بي أهم ذكرياتي ومراحل حياتي وحفظ الله لي .. وكان من بين ما برز أمام فكري قصة تعلّقي وأنا صغير على أحد الأسياخ الحديديّة لسور السطح المُشرف على الشارع من ارتفاع شاهق .. وقد بقيت معلّقا بطرف ثوبي موشكًا على السقوط الحُرّ المميت لفترة من الزمن لولا أن وفقني الله بعد معاناة للتخلص دون مساعدة أحد .. إنها أسهم القضاء التي يقدرها الله فتخطيء الشخص بأمر الله حتى يأتيه السهم المسوّم من عند ربّك .. (فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستئخرون) ..

عدت للأذكار والدعاء .. وانصهر قلبي بين يدي الله في هذا الموقف الحالك الذي ذكره القرآن مثالًا على الاضطرار وصدق اللجوء لله حتى من الكفار المشركين أولي القلوب المتحجّرة .. حينما تذيبها نار الكرب فتلين لله وتعترف بربوبيته فترجو فرجه .. لقد دعوت الله بكل قلبي دعاء المضطر إلى رحمته الراجي لاستجابته (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه)

بذلت أقصى الجهد في سباحتي باتجاه المعلم الذي كنت أراه من بعيد، ثم اكتشفت بعد ساعتين من الجهد والتعب أنني لم أحقق أي تقدم فالمسافة بيني وبين ذلك المعلم تبدو لي ثابتة كأنها لا تتغير .. وشعرت بأن الموج المعاكس - رغم ضعفه- قد كان يؤخر تقدمي نحو المعلم ..

أحسست بالهمّ وضيق الحيلة .. فبدأت أناجي ربي بصوت مرتفع .. بدأت أراجع نفسي متسائلا: هل ربي راضٍ عني أم غاضب؟؟!!

وعدت للسباحة الجادة بعد أن تجدّد عزمي، وكنت أنظر إلى السماء فأرى النجوم على غير ما رأيتها من قبل فكأنها تشجعني بوميضها، وتسليني بثباتها .. فسبحان من سخرها .. وأنظر يمينًا وشمالًا لعلي أرى أحدًا، أتساءل هل سيتحرك خفر حرس الحدود للبحث عنا؟؟ وأجيب على نفسي بأن ذلك مستحيلا لأني لم أترك اسمي لديهم ولم أركب البحر من بوابتهم!! ولقد يخيل إلي أحيانا - في غمرة الأفكار- رؤية بعض القوارب تمر أمام عيني، ثم ما تلبث في ثوان معدود أن تضمحل كالسراب العابر والطيف الوامض .. لأبقى في واقع يفيض بالخطر!!

قررت التركيز على السباحة الجادّة والذكر والدعاء .. وكان يقيني بالله يزداد في النجاة لأني أدركتُ أنّي بدأت أحرز تقدمًا نحو هدفي .. وشعرت بالحماس .. وبدأت أشمُّ رائحة النجاة .. وذرات جسمي تتلهف في أعظم درجات الشوق لملامسة تراب الأرض .. والاستلقاء على أديمها في أمن وسلامة .. تمامًا مثلما يرتمي الابن على صدر أمّه الرؤوم .. يستنشق عبيرها .. ويتدثر بحضنها .. ويتدفأ بحنانها ..

ولا تجزع إذا أعسرت يومًا ... فقد أيسرت في الزمن الطويل

ولا تظنن بربك ظن سوءٍ ... فإن الله أولى بالجميل

وإن العسر يتبعه يسارٌ ... وقول الله أصدق كل قيل

فلو أن العقول تسوق رزقًا ... لكان المال عند ذوي العقول

وأثناء هذه المرحلة المستبشرة يستيقظ أنس - ونحن ربما بعد منتصف الليل - ليصرخ وهو يؤشر للخلف ويبكي ويصيح: سمكة ... سمكة .. سمكة ..

توقفت عن السباحة، سألته: أي سمكة؟؟؟

فقال: هنا سمكة كبيرة يا عمو خلفك ..

فلا تسألني ما الذي حدث في كياني من خوف ورهبة عندما أدركت أن ما يقوله الطفل قد يكون حقّا .. ولقد كنت أخشى ما أخشاه حينها هو اقتراب سمك القرش المتواجد في الخليج .. والذي ستكون به نهايتنا حتمية في أقسى صورها .. وأعنف أحداثها ..

لم يكن مني إلا أن همست للطفل أنس أن يسكت ... وبدأ الوسواس يراودني .. وبدأت أفقد قواي .. ليذبل أملي في النجاة بعد أن بدأت أرى الفرج، لقد كنت حينها انتظر متى يشرع ذلك الشبح البحري الجامح في تمزيق أجسادنا الضعيفة دون هوادة .. لقد كنتُ أشعر بدنوّ أنيابه عند أقدامي .. وتلاحقني خيالات مرعبة .. فو الله لقد بلغ بي الخوف مبلغه، ولم أجد من حيلة إلا أن أدعو الله بصوت خافت وأردد"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم .. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر .. إلهي .... لا أريد أن أموت هذه الميتة، لا أريد أن يتمزق جسمي، وبدأت أبكي وأردد (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) .."

يا من تحل بذكره عقد النوائب والشدائد

يا من إليه المشتكى وإليه أمر الخلق عائد

يا حي يا قيوم يا صمد تنزه عن مضادد

أنت الرقيب على العباد وأنت في الملكوت واحد

أنت المعز لمن أطاعك والمذل لكل جاحد

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت