فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9673 من 72678

ـ [عبدالعزيز بن ابراهيم النجدي] ــــــــ [01 - 05 - 09, 09:13 م] ـ

* فصل [الورع لطالب العلم إلى الممات]

رأيت نفرًا ممن أفنى أوائل عمره و ريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع الأذى، و هجر فنون الراحات، أنفة من الجهل، و رذيلته، و طلبًا للعلم و فضيلته، فما نال منه طرفًا رفعه عن مراتب أرباب الدنيا.

و من لا علم له إلا بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنفسه من حظوظ، فسافر في البلاد يطلب من الأرذال، و يتواضع للسفلة و أهل الدناءة و المكاس و غيرهم.

فخاطبت بعضهم و قلت:ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها، و أظمأت نهارك بسببها، فلما ارتفعت و انتفعت عدت إلى أسفل سافلين.

أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو بها عن مقامات الأرذال؟

و لا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى؟

و لا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء؟ على أنه يبين لي أن سهرك و تعبك كأنهما كانا لنيل الدنيا.

ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئًا من الدنيا تستعين به على طلب العلم، فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في علمك.

فلو عرفت ما ينقص به دينك لم تر فيما قد عزمت عليه زيادة، بل لعله كله مخاطرة بالنفس، و بذل الوجه طالما صين لمن لا يصلح إلتفات مثلك إلى مثله.

و بعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف، و قد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من الإثم.

و أبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ.

و من لك بالسلامة و الرجوع إلى الوطن؟ و كم رمى قفر في بواديه من هالك!

ثم ما تحصله يفني و يبقى منه ما أعطى، و عيب المتقين إياك، و اقتداء الجاهلين بك.

و يكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه، خصوصًا و قد مر أكثر العمر.

و من أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي.

ـ [أبو أنس الأنصاري] ــــــــ [01 - 05 - 09, 09:30 م] ـ

واصل وصلكَ اللهُ.

ـ [عبدالعزيز بن ابراهيم النجدي] ــــــــ [01 - 05 - 09, 09:39 م] ـ

* فصل [في تعظيم حفظ العلم]

إعلم أن المعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، و من الغلط الإنهماك على الإعادة ليلًا و نهارًا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا ثم يفتر أو يمرض.

و قد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موته، فنظر إلى مائة كتاب و قال: [قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحد] ، ثم خرج فقال: [ما يجيء منه شيء] ، فقيل له: [ما الذي كنت تفعل؟] قال: [كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة] .

و من الغلط تحميل القلب حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، و كما أن من الناس من يحمل المائة رطل، و منهم من يعجز عن عشرين رطلًا، فكذلك القلوب.

فليأخذ الإنسان على قدر قوته و دونها، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات.

كما أن الشره يأكل فضل لقيمات فيكون سببًا إلى منع أكلات.

و الصواب أن يأخذ قدر ما يطيق و يعيد في وقتين من النهار و الليل، و يرزفه القوى في بقية الزمان، و الدوام أصل عظيم.

فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ قد نسي.

و للحفظ أوقات من العمر فأفضلها الصبا و ما يقاربه من أوقات الزمان، و أفضلها إعادة الأسحار و أنصاف النهار، و الغدوات خير من العشيات، و أوقات الجوع خير من أوقات الشبع.

و لا يحمد الحفظ بحضرة خضرة و على شاطئ نهر، لأن ذلك يلهي.

و الأماكن العالية للحفظ خير من السوافل.

و للخلوة أصل، و جمع الهم أصل الأصول.

و ترفيه النفس من الإعادة يومًا في الأسبوع ليثبت المحفوظ و تأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر ثم يبني عليه.

وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم، و ألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله.

و من لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح.

و إصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرًا في الحفظ.

قال الزهري: [ما أكلت خلًا منذ عالجت الحفظ] .

و قيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه؟ قال: بجمع الهم.

و قال حماد بن سلمة: [بقلة الغم] .

و قال مكحول: من نظف ثوبه قل همه، و من طابت ريحه زاد عقله، و من جمع بينهما زادت مروءته.

و أختار للمبتدي في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعين سنة، و هذا لأجل جمع الهم.

فإن غلب عليه الأمر تزوج و اجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر القوة على إعادة العلم.

ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، و العلم غزير.

و إن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، و إن كان كل العلوم حسنًا، و لكن الأولى تقديم الأهم و الأفضل.

و أفضل ما تشاغل به حفظ القرآن ثم الفقه، و ما بعد هذا بمنزلة تابع، و من رزق يقظة دلته يقظته فلم يحتج إلى دليل، و من قصد وجه الله تعالى بالعلم دله المقصود على الأحسن (و اتقوا الله و يعلمكم الله) . [225]

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت