ـ [أبو زيد الشنقيطي] ــــــــ [14 - 06 - 08, 09:05 م] ـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى سادتنا من آل بيته الطاهرين المطهرين وأئمتنا من صحابته الراضين المرضيين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين:
وبعد:
فكثيرًا ما يجد أحدنا في صدره حرجًا من مسائلَ تقف عائقًا أمام التزامه واستقامته , وتحمله الحرقة التي يجدها في صدره على البحث عن سبيل للخلاص , وما أبرئ نفسي فأنا أول أولئك, فالاستقامة وإن كانت ظاهرة على علانياتنا إلا أنّا نصارع بواطننا صراعًا شديدًا على اتحادها مع الظاهر في الخير وجعلها مجلبةً لثناء الله علينا في الملإ الأعلى كما كانت ظواهرنا سببا في ثناء أهل الأرض وثقتهم العمياء في أهل الاستقامة والالتزام.
وقد سبق أن وضعت كلام فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله حول أربع عقبات على طريق الالتزام:
عقبات في طريق الالتزام (1)
عقبات في طريق الالتزام (2)
عقبات في طريق الالتزام (3)
عقبات في طريق الالتزام (4)
وهذه خامستها والحديث فيها سيكون عن ظاهرة تدمع لها العين ويتمزق لها القلب وتتقرح الأكباد إن كان في النفس إسلامٌ وإيمانُ.
فكم ينقلب إلى أحدنا طرفه خاسئًا وهو حسيرٌ حين يسلب لبّه منظرٌ بهيٌّ تعلو محيا صاحبه وضاءة السّنّة من إعفاء للحية وتقصير للثوب ونظافة فيه وغض للبصر عن الكاسيات العاريات عن يمينه وشماله , ثمّ لا يلبث هذا الإعجابُ في قلبك إلا يسيرًا حين يُفسده عليك سلوك وخلُق صاحبه وسوء تعامله مع النّاس.
كنتُ في طائرةٍ متجهة إلى مكة المكرّمة وأمامي رجلان هذا ظاهرهما بل وجمّلهما الإحرام الذي كانا يرتديانه , وحصل أن احتاجت امرأة لا محرم معها إلى مساعدتهما لها بأن يتنازلا عن جلوسهما بجانب بعضهما ويتفرقا ليعاد ترتيب المقاعد ولتكون هي بجانب امرأة مثلها ولا تتعرض للحرج بالركوب جوار رجل.
فجاء المضيف يستأذنهما فجاء الرد قاسيًا غير متوقع حيث أبى أحدهما وأصرّ على أنه لا دخل له بها وأنهما لن يتركا مقاعدهما المتجاورة لأجلها , وأن عليها أن (تدبر نفسها) فعادت حسيرة كسيرة رغم الزحام الشديد في الطائرة لتبحث لها عن كرسي ولو في آخر الطائرة , وقلت حينها: لو كانت تلك أمي أو أم أحدهما كيف يكون وقع هذه الفظاظة على قلوبنا .. !!
دكتورٌ في الفقه الإسلامي يدخل عليه العامل جالبًا له الماء البارد في صيف حار فينهره بلفظ (هيه تعال هنا) ويعاتبه على عدم إعطاء الماء للدكتور الآخر الذي معه والعاملُ قد قدمه له من قبلُ فقال له إنه لا يريده فلمّا اعتذر إليه بذلك لم يعتذر أو يتنازل عن لومه الذي كان في غير محله أمام 20 طالبا أو يزيدون بل قال له (يلاّ جيب موية ثاني) فرأيته أمامي منكسر النّفس مجروح القلب لا حول له ولا قوة ولا نصير.!!
إمامُ مسجدٍ على منبر الجمعة يرى سائلًا يتكفف النّاس فيوبخه من على منبره قائلًا: هؤلاء مجرمون ويفعلون ويفعلون ولا تعطوهم ولا ... ولا ولا ولا .... وأكثر من 700 مصلٍ يزلقونه بأبصارهم , ولا أستطيع وصف ما آلت إليه نفسه من الحسرة والخجل والندم إضافة إلى ما سبق ذلك من فقر وعوز ألجآه للسؤال والتكفف.
والكثير الكثير مما لا حصر له من مواقف ومآسٍ تمر بي وبك وقد نكون -إن لم يعصمنا الله بفضله- أبطالها يومًا دون أن نشعر بما خلفناه من تشويه للدين والالتزام والصد عن سبيل الله حين يعمد بعض الجهلة إلى سحب هذه الصورة الشوهاء على كل متدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي - حفظه الله- في شرح عمدة الفقه:
الإحسان إلى الناس من أسباب رحمة الله بالعبد، وكم من مذنب خطاء كثير الذنوب والعيوب سترها الله عز وجل بستره، وتولاه برحمته، وشمله ببره وغفر له ما كان من زلله وخطئه بفضله سبحانه وتعالى ثم بإحسان العبد فيما بينه وبين الناس.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)