فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7313 من 72678

ـ [إحسان العتيبي] ــــــــ [05 - 02 - 08, 09:41 م] ـ

بكر أَبو زيد

ابنُ القَيِّم الَّثاني

"عَيْبَةُ علمه، وَبنانُ حُجّتهِ"

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى .... أَما بعد

فما كان للتاريخ أَنْ يُغْفل طوائِفَ العلم التي عمرت حِقَبه، وملأَت أَرجاءَه، وطوََّفَت بآفاقه.

ومن هذه الطوائف طائِفةٌ اجتباها الإِسلامُ اجتباءً خاصًَّا لنفسه، وخصَّها بالكثير من فضله، وأَولاها من فَيْضِ عنايته، ما لم يأْذن لغير هذه الطائفة أن تناله، وليس ذلك من ضنٍّ منه أَن يُنيلَ الذي أَناله هذه الطائِفة، بل لما اختصها الله به من فضائِل نفْسيَّةٍ وصفاتٍ عقليةٍ، ومواهبَ رقَيِتْ بها سُلَّم الخلود، وأَخْرجَتْها من ظُلْمةِ التذبذب والتَّحيُّرِ، إلى نور الاستقرار والثبات، فَعُرِفَت في دنيا الناس بتلكم المواهب، وأَجْرَتْ عليها من شَفيفِ بِرِّها وإِحسانها، ما لم تبصر ولا ترى في غيرها.

وعرفت أُمَّةُ الإسلام في كلِّ قرن من قرونها واحدًا وقف قويًا عزيزًا على رأْس هذه الطائِفة، يمدُّ بصره إِلى آفاق الزَّمن، يَجِدُّ في البحث عن واحدٍ يكون مثله، لانت له المعرفة، وأَلقت إِليه بزمامها، وأَرادته أن يكون لها وحدها، لا ينازعها فيه منازع، ولا تجترح أَصابعه تدوين غيرها، مما شغل سوادُ أهل العلم أَقلامَهم وقلوبَهم بها مما هو مقدور عليه، وهو مستطاع للعامة قبل الخاصة منهم.

وقد يجد هذا الواحدُ من يظاهره فيما اختصه الله به من المواهب، والفضائِل، والصفات، عطاءً غير مجذوذٍ، واحدًا أَو أكثر، ممن أَخذوا العلم عنه، أَو أَطافوا بِعلْمه من بعد موته، فيما أَبقى للناس مسطورًا في قرطاس، أَو مأْخوذًا عن سماع، أو مُتَلقّىً من طول صحبة.

ولا نرغب في أَن ننحدر مع القرون لنشارِف رأسَ القرون المفضلة، وإِمامها الأشمَّ، وسقفها المتين العالي، فلا علينا، فذلك قرن مع صنويه بلغ من الرفعة وعلوِّ المنزلة، وبعدِ الشَّأْوِ والمطَّلب، ما ليس في وسع القرون العاقبةِ كلِّها مجتمعةً بجهدها وَطَوْلِها أَن تبلغ ـ إِلاَّ ما يكون، بالتَّأسِّي والمصابرة ـ من جلال ذلك القرن، وَروْنق بهائِه، وعزِيزِ سلطانه، في كل جانب من جوانب وجوده الحياتي.

لذا، فإني واقفٌ بكم على مدرجة القرن السادس، لنستشرف معًا قطعة من أَرض الشام الطيبة المباركة، على بعدٍ أَو قربٍ منها، فالزمن مطويٌّ بكلِّ ما هو في باطنه، وبكلِّ ما هو من فوق ظاهره، بِيَدِ سِجِلٍّ حافظٍ بارع، ليس يغيب منه شيءٌ على الدهر، لنبصر معًا برجل أَمَّ العالمَ كلَّه بعلمه، وشَمَخَ على الحياة شموخَ الرَّواسي، وأَسلمت له العلومُ والمعارف برَغَبِها ورَهَبِها زِمامَها، يُصَرِّفها بالحقِّ ودقَّةِ النظر، وأَمانةِ القلم والحفظ، كيف يشاء، ويجعل الوارثين من بعده يسارعون في الاستباق إِليها، ليذيعوا فيمن بعدهم من القرون فضلَها، وبهاءَها، وجلالَها، ذلكم: هو الإِمامُ الحجَّة الباقية على الأُمة كلِّها ـ خلا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم، والعروةَ المكينةَ التي وثَّقَتْها يدُه الشريفة من أَصحابه، رضي الله عنهم ـ ابن تيمية رحمه الله، وجزاه عن الأمة خيرًا.

وذكرُ ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكرٌ مستطابٌ، محفوظٌ بهدي السُّنَّة، وصريح الكتاب، عَمَر أَرض المسلمين بهما، واستاق إِلى القرون الآتية بعضًا من فضلها، بلغ بها ـ من سَعِد وأَخلد بقلبه وعقله إِليه ـ الفرقدين، وبوَّأَها معقد الخافقين، وكان مما استاق من ذلك البعض من الفضل (تلميذُه، وصاحبه، وجامع فضله، الرامي عن قوسه، الوارثه وحده، السَّاعي في خدْمته من بين يديه ومن خلفه، الحامي ضَيْعتَه، الحافظ سيرته، القيِّم على قلمه، الناشر في الناس من بعده عِلْمَه) ابن قيِّم الجوزية، رحمه الله تعالى.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت