ـ [الأفغاني السلفي] ــــــــ [05 - 08 - 07, 07:40 ص] ـ
تنوير الطلاب
بتحرير أسباب العلم
من كلام رب الأرباب
أبو القاسم المقدسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حكم لأهل العلم علىمن سواهم فقال: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) )، والصلاة والسلام علىإمام العلماء القائل: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )، وعلى آله وأصحابهالميامين، التابعين لهم بإحسان من حملة العلم والمجاهدين. أما بعد .. فهذاسِفر كتبته بعون اللطيف .. اقتبسته من نور الكتاب .. ورجوت أن ينتفع به إخوتي الطلاب وكتبته من إملاء الفؤاد إلا في مواضع نادرة اقتضتني دقة النقل .. وعلى الله في ذلك العماد، وهوالهادي سبحانه إلى سبيل الرشاد. وقصدت به أن يكون ذخيرة لي قبل إخواني من طلبة العلم -وإن كنت والله عيّلا عليهم-ليكون زادًا لي عند الله تعالى. جمعت فيهبين شرائط العلم وأسبابه، ولطائف معارف وفرائد فوائد. مقتصرًا على مرجع وحيد هوكتاب الله عز وجل في تقرير الأصول مستعينًا بالسنة وكلام السلف .. ليكون عمدة فيانتهاج هذا المنحى في استخراج اللآليء من كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بينيديه ولا من خلفه .. وعدّة للطالب في المسير .. بحيث تكون أمّات هذا المبحث مستحضرة فيذهنه وأضواء الطريق منتشرة من حوله. بمحفوظه من الآيات .. ولم أعز الشواهد من السنةإلى مصادرها في الغالب استغناءً بصحتها عن عزوها والله المستعان وعليهالتكلان
(( واتقوا الله ويعلمكم الله ) )رتّب العلم على التقوى .. لأن حقيقة العلم نور يقذفهالله في الصدور، وليس هو مجرد حفظ مدونات السطور. وكرر لفظ الجلالة .. مع أنالمعهود في التكرار إذا خلا عن سبب وجيه .. خروج عن البلاغة، وإملالللأذن .. فلو قال أحد: واتقوا الله ويعلمكم؛لم يلحن في ذلك. ولكنه سبحانه كرراسمه الشريف .. تنبيهًا على علاقة العلم بالتقوى ..
فكأن الله أراد أن يقول: اتقواالله؛ لأن من تتقونه هو ذاته الله الذي يعلمكم.فثم من يقول: إن الواو لاتتضمن ترتيبًا بحجة أنها للعطف وليس من معانيها الترتيب كالفاء وهذا صحيح من حيثالأصل، قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (( قد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقترانوالتلازم كما يقال: زرني وأزورك، وسلم علينا ونسلم عليك ونحو ذلك .. إلى أن يقول رحمهالله تعالى: (( فقوله: (( واتقوا الله ويعلمكم الله قد يكون من هذا الباب فكل من تعليمالرب وتقوى العبد يقارن ذلك ويلازمه ويقتضيه فمتى علمه الله العلم النافع اقترن بهالتقوى بحسب ذلك ومتى اتقاه زاده من العلم وهلمّ جرًا ) )انتهى )) . والناظر في علمالصحابة .. يعلم أن سببه الأعظم بعد شرف استقائهم من معين المعصوم .. الورع والتقوى الفريدان .. فلم يكن ابن عباس أو ابن مسعود رضي الله عنهماأو غيرهما من فقهاء السلف يحفظون المتون العلمية والمصنفات الضخمة كما هو حالالمتأخرين سوى ما معهم من كتاب وسنة .. وقد قرن الله بين الأمر بالتقوى والأمربالعلم في غير موضع كقوله )): واتقوا الله واعلمواأن الله بكل شيء عليم )) تأكيدًا على المعنى السابق.
(( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء ) ).قال الإمام أحمد مقتبسًا مننور الآية: (( أصل العلم الخشية ) ). وقد وصف الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلامفقال: (( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله ) ).وثبت عن خاتمهمصلى الله عليهم وسلم أنه قال للثلاثة المتنطعين: (( أما إني أتقاكم لله وأخشاكمله ) )فليس غريبًا أن تكون الخشية من أخص خصائص ورثتهم الحقيقيين وهم العلماءالربانيون.والمتأمل في اختصاص ذكر الخشية بالعلماء دون غيرها؛ يقع علىالسببفلم يقل سبحانه: إنما يرجو الله من عباده العلماء، وما قال: إنما يحب اللهمن عباده، ولا غير ذلك.لأن الخشية منزلة تجعل من طالب العلم- لا أقول عاملًابما يعلم فحسب، بل داعيًا غيره.آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، دون مخافةٍ فيالله لومة لائم.وهذه صفة العالم الرباني؛ ولأن العلم بالخالق، وأسمائهوصفاته، يورث مراقبته .. وقدره سبحانه حق قدره، وهذه حقيقة الخشية.وبالعكس .. فإنخشيته سبحانه تورث عناية من الله تعالى بعبده يرزق بها مزيدًا من العلم.والحبلله تعالى يقتضي الاتباع كما قال: (( قل إن كنتم تحبون الله
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)