فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7314 من 72678

وابن القيِّم، ليس بخافٍ على أحدٍ في دنيا البشر، صاحبُ التصانيف الكثيرة الجليلة، الباسطُ جناحي الرقائِق فوق الأَرض المباركة، الآخذ بِعِنَان العربية إِلى رحابها الواسعة، بأَحسنِ أَساليبها، وأَجملِ وجوه البلاغة والبيان المودعة في تراكيبها، وأَعلى مقاصدِ المعاني التي تَهدي إِليها بِشِعْرِها ونَثْرِها، هذا إِلى غزارة الفقه والإحاطةِ بوجوه التأْويل والتفسير، وتأْصيلِ قواعدِ الأَصول وإِحصاءِ فروعها، وتقَصِّي الشوارد الخفيِّة بالقياسات المرضيِّة، التي يُستَغْنى بها بالجمع والتأليف بينها عن النُّصوصِ الناطقةِ بأَحكامها وشرائِعها، وتدفُّقِ الإِملاآت العقلية الحسان، إِلى غيْر ذلك مما تعجز عن الإِنباءِ به، والنطق به جماعاتُ الأَقلام، ولعلَّ"إِعلام الموقعين"يهدي لذلك كلِّه وزيادة، وقد مشت من وراءِ ابن القيم رحمه الله ـ في حياته ومن بعد ثوائِه في رمسه ـ أَفواجٌ من العلماءِ، والأُدباءِ، والكتاب، والشعراء، والصالحين الزاهدين، كلما غاب منها فوجٌ ظهرت من بعده أَفواجٌ، يأْخذ كل فوج منها لنفسه أَوفر ما يريد حظًَّا مما يقدر عليها قلمه، يحتفظ منه لنفسه الكثير ليثوي معه، ويدع لمن بعده ما يفضل عن حاجته، وما يفضل منه أَكثر مما يحتفظ، والْتقى فضل تلك الأَفواج كلها على صعيد واحد، فتآلفت كلها، وتراصَّت في كتبٍ ورسائِل، حتى غدت ميراثًا آخر لابن القيِّم رحمه الله، يُباهي بنفسه ما خفي وذهب من علمه معه حيث استقر به الثوَى من بعد شيخه ابن تيمية، رحمهم الله جميعًا، وأَذهب عنهم الحزن يوم الجمع والتلاقي الأكبر.

وَلكأَنما أَراد الله لعلم ابن القيِّم رحمه الله أَن يظهر من جديد في الأَرض، لينشِأَ مدرسة جديدة، يتخرج فيها طلاَّبُ علمٍ على سَنَن السابقين المُجدِّين، الذين تخرجوا في دمشق في حلقة ابن القيِّم رحمه الله، وشهرت بهم في كل مكان وُجِدوا فيه، وارتحلوا إِليه.

وليس غريبًا أَن يحظى علم ابن القيِّم بجهابذة من طلاب العلمِ الأَغيار، وأَن يترسَّمُوا خطاه، وأَن يكون له في كل قطرٍ محبُّون وأَشياعٌ، وأَن يُجلِي قَلَمُه حيثما حلَّ سائِر الأَقلام، فيكون له الغلبةُ والظهور عليها، من غير منازع.

غير أن قلم"بكر أَبو زيد"من بين هذه الأَقلام، كان له تفرد في هذا الشأْن ماز به نفسه بنفسه، أَوردَ به علم ابن القيِّم رحمه موردًا عذبًا سائغًا، لا عيب فيه يزري، ولا ظلمه من فوقه تُغشِّيه، ولا اضطراب من تحته يَنْقيه، في نصاعة العبارة ورسوخها، وقوة المعنى وجلائِه، وتماسك الحروف والكلمات وتآلفها، حتى لكأَنك وأَنت تقرأُ الذي كتب ـ لولا الخط الوهمي الحاجز بين ما كتبه ابن القيِّم وبين ما كتبه بكر ـ تقول في نفسك: لو كان ابن القيِّم حيًا، لكان عليك أَن ترجع إِليه ليهديك إِلى الكلمات والعبارات التي خطَّتها يمينه، كيلا تقع في لبس، يختلط به عليك الأَمر، فيكون به الخلط، ودليلًا جاهرًا بأَن هذا هو ذاك، وذاك هو هذا، لكن الخط الوهميَّ الحاجزَ بينهما، لا يعتسفك وأَنت تقرأُ كلام الرجلين معًا، أو وأنت تقرأُ كلامَ كلٍّ منها منفردًا، فقد تشابها، فتشاكلا، وباتا على تباعد الزمان بينهما على حرفٍ واحدٍ، يأْخذ معنى كلٍّ منهما لفظه من لفظ الآخر، ومعناه من معنى الآخر، وهذه مزيةٌ خاصة لم تكن إِلا لعقل بكر وقلمه، وهو يرتاد علم ابن القيِّم من أَطرافه، يوغل فيه برفق، وينساب في خباياه بَتُؤدة، وينتاب أَطرافه في هونٍ، وعلى مهل، يجمع في إِيغاله كلَّ الشوارد، ويمسك وثاقَها جميعًا في حذرٍ من أَن تطرف عينه عنها بغفل، أو أَن يُناشَ سمعه بإغماضة، أو أَن يُناب فكره بوهلة.

ومن يعرف"بكر أبو زيد"من قلمه، يعرف العربية في دارها من أهلها، ومن يعرفه من لسانه لا يأْذن لسمعه أَن تُصيبه معرَّة اللحن الفاحش، ومن يعرفه من سلوكه في الناس يبصر برجل فيه أناة العزة، وشموخ النَّقيبة، ومضاءُ الشكيمة، يُؤْويها كلَّها رداءٌ من الهيبة، في تواضع غير متكلَّفٍ، وترفُّعٍ غيرِ مستثقلٍ، وإِحسان بمعروفٍ غير مستأْثَرٍ، ثم لا يجد الناظر فيه إِلا مصداق قول الشاعر:

يقولون فيك انقباض وإنما رأَوا رجلا عن موقف الذُّلِّ أَحجما.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت