فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7315 من 72678

عرفت بكرًا أّوَّل ما عرفته في قدمَةٍ له إِلى"عمَّان"في حاجةٍ له، زار فيها الشيخ ناصر رحمه الله تعالى، وكان يحبُّ الشيخ حبًَّا جمًَّا، ويعظِّمه لعلمه، ولا يقدِّم عليه أَحدًا من أَضرابه ونظرائِه، ويثني عليه الثناءَ الجميل، ويعود إِليه في المسائِل العلمية التي تبهم أَو تشكل عليه في السُّنَّة، وكان سيفًا يحامي عن الشيخ رحمه الله من ورائِه، ويحضُّ الناس في المملكة ـ علماءَ، وطلاَّب علم ـ على توقيره، والإِفادة من علمه، ولا يدع مجالًا يذكر فيه الشيخ إِلا والثناءُ عليه يكاد يسبق ذكرَه، لكن الشيخ رحمه الله، لم يلبث أن أَلمَّ به بقلمه، واشتدَّ عليه الشدَّة المعهودة منه رحمه الله، ووطأَه بأُسلوبه المعروف، وما كان ينبغي أَن يفعل ذلك معه، إِذ الخلاف العلمي أَمرٌ تعاهدته أقلام أَهل العلم من قديم، وراحت به وغدت على روَّاده من قديم، لكن هكذا فعل الشيخ.

وكأَن التلاميذ الأَدعياءِ، تلاميذ النَّوم والموائَد، سنحت لهم سانحة بِصَنيع الشيخ رحمه الله ببكر في كتابه النافع: (تمام المِنَّة) ، فحوَّلوا رحالهم، وفوَّقوا سهامهم إِلى بكر، ظانِّين أَنهم بذلك يسكتون صوته، ويكسِرون قلمه، الذي وشَّح فتوى لجنة الإفتاء الصادرة في حق أربعتهم، ومن تبعهم بغير إحسان.

وصحبته في زيارته هذه إِلى الشيخ، فرأَيت منه ـ على علمه ـ ما يُرى من طالب العلم، الحريص على الإِفادة من شيِخه، أَن تَندَّ عنه نادَّة، أَو تشرد منه مسأَلة، سأل الشِيخَ سُؤالاتٍ عدَّة، وكان منه إِيراداتٌ على جوابات الشيِخ، كمَّل بعضها بعضًا، ظهر فيها الخلق العلمي، الذي أَطاح به طلابُ العلم في زماننا، بالإِغلاظ، وسوءِ الأَدب، والتعالم، الذي وضع فيه بكرٌ كتابًا مستقلًا، أَبان فيه عوار المتعالمين الساجحين، وحدَّد معالم الطلب خير تحديد، ودعا طلاب العلم أَن يتركوا البُنَيَّات للجادَّة، وأَن يستقيموا على الأَمر كما أمر الله، وبيَّن رسوله.

ولا زالت حروف كتابه"حراسة الفضيلة"تقطع آفاق الدنيا، تدعو الأُمة إِلى أَن يتواضعوا على قواعد واضحة ثابتة، تنبو عنها كلُّ رذيلةٍ تسعى في الأمة بسُمِّها، وتصدُّ بقوة كلَّ دعوىٍ جائِفةٍ زائِفةٍ عن حِماها، ولكأَنَّما كلُّ جملةٍ فيه جزءٌ أَخلاقيٌّ يُمهِّدُ السبيل أَمام كلِّ محبٍّ الخُلُقَ الطيِّب.

وما من كتاب من كتبه، ولا رسالة من رسائِله، إِلا وقد تأَلَّقت بسنا معانيها، وذاعت بشذا أَلفاظها وأَدرجت كرائِم مقاصدها بين يديها، تُرى على البُعدِ ذبدباتُ ضوئِها، وتُسمَعُ على النأْي همسات حسِّها، وتتلاقى هذه وتلك على صعيد الرجاءِ في ترسُّمِ خطى القرون الأَولى، التي صدَّقت بكلمات ربِّها ورسله، فجثت أَمامها القرون الآتية من بعدها في خشوع الرضا، على يد كاتب مثل بكرٍ، حتى صار يقال بها وفيها:"يضارع أُسلوب بكر في تدفق معانيه، وترابُطِ أَفكاره، وجزالة أَلفاظه، وقوة تراكيبه، ومتانة عبارته، وفصاحة كلمته، وسموِّ غايته، ودقة دَرْكَتِه، وشمول إِحاطته، ووضوح معالمه".

ولسوف تَظل كتُبُه ورسائِله سقفًا علميًّا واسعًا، قويًّا، تستظل به عقولُ طلابِ العلم، وترتاده آناءَ الليل وأَطرف النهار، في نَهْمَةِ رغَبٍ، وطُلَعةِ شوقٍ، وأَتِيَّةِ حرصٍ، وأَمَنَةِ عطاءٍ وأَخذٍ، لكأَن الزمان قد انحسر بقرونه، وذهبت غواشيه المتكاثفة، وانزاحت أَستاره الصفيقة، حتى لكأَن بكرًا قد أَخذ من بدرة ابن القيِّم، مكتوب على كل قطعة منها أَخذها ـ وكأَنها وصيَّة ٌ منه رحمه الله، لبكر شفاه الله وعافاه ـ أَنْفِقْ بكرُ، ولا تخش إِقلالًا، فقد آتانيَ الله من خزائن رحمته، ومن خفايا علمه ـ مما لا يُخْشى به على عقيدة التوحيد أَن تُثْلَمَ، ولا يخاف منه على جريب أَحكام الشرع الحنيف أَنْ يُنْتَقَصَ ـ بأَعلى إِسنادٍ يُعرفُ في طبقاتِ الرجال، لم يُعْهد إِلا على سَنَن الصحابة رضوان الله عليهم، وهم يأْخُذون عن معلِّمهم، ومُرَبيهم ـ وقائِدهم،"المصطفى"صلى الله عليه وسلَّم، مع فارق المنزلة، بين الصحابة رضي الله عنهم، وبين القرون كلها التي تتالت على مدرجة الزمن.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت