له رحلتان إلى العراق والحجاز. الرحلة الثانية سنة ثمان وستين ، وناظر الدارقطني فرضيه ، وهو ثقة واسع العلم. بلغت تصانيفه للكتب الطوال والأبواب وجمع الشيوخ قريبًا من خمسمائة جزء ، يستقصي في ذلك ، يؤلف الغث والسمين ، ثم يتكلم عليه فيبين ذلك. وتوفي سنة ثلاثٍ وأربعمائة. قلت (أي الذهبي) : وَهِم الخليل في وفاته.
أخبرنا المسلم بن علان ومؤمل بن محمد كتابة قالا: أنا أبو اليُمن الكندي ، أنا أبو منصور القزاز ، أنا أبو بكر الخطيب قال: أبو عبد الله ابن البيع الحاكم كان ثقة. أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة ، وكان يميل إلى التشيع ، فحدثني إبراهيم بن محمد الأرموي بنيسابور ، وكان عالمًا صالحًا ، قال: جمع أبو عبد الله الحاكم أحاديث ، وزعم أنها صحاح على شرط خ.م ، منها: حديث الطائر ، و"من كنت مولاه فعلي مولاه". فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ، ولم يلتفتوا إلى قوله.
وقال أبو نُعيم بن الحداد: سمعتُ الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ: سمعتُ أبا عبد الرحمن الشاذياخي الحاكم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن ، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح ، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم. قلتُ: هذه الحكاية سندها صحيح ، فما باله أخرج حديث الطير في"المستدرك على الصحيح"؟ فلعله تغير رأيه.
وعن أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي قال: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره ، العارف به حق معرفته.
ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه ، وقال: هذه جُمل يسيرة هي غيض من فيض سيره وأحواله. ومن تأمل كلامه في تصانيفه ، وتصرفه في أماليه ، ونظره في طُرق الحديث أذعن لفضله ، واعترف له بالمزية على من تقدمه ، وإتعا من بعده ، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه. عاش حميدًا ، ولم يخلف في وقته مثله. مضى رحمه الله في ثامن صفر سنة خمسٍ وأربعمائة.