ومعلوم: أن المتناظرين إذا كان قول أحدهما أكثر خطأً وضلالًا من قول الآخر: كان دفع الأكثر ضلالًا وخطأً بالآخر خيرًا من العكس. كما يسوغ دفع الأفجر من الكفار بالفجار. فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم.
والإنسان يجب عليه أن يؤمن بما أخبرت به الرسل، ويقول ما يعلم، ويسكت عما لا يعلم، فإذا تبيّن في أمر: أنه مما أخبرت به الرسل، وعلم أمرًا من الأمور: صدّق به والتزم.
فإن قيل: إنه يلزمه لوازم فيها نزاع، أو لم يعلم أنها حق أو باطل؛ كان الجواب مركبًا:
أن ما علم فهو حق، وما أخبرت به الرسل فهو حق، ولازم الحق حق.
فإن قدّر هذا لازمًا وجب التزامه، ويمتنع أن يقوم دليل على بطلان لازم الحق. وإن لم يكن لازمًا لم يضر انتفاؤه.
وقد سلك أبو حامد في الرد على الفلاسفة طريقًا بيّنها فقال [1] : ليُعلم أن المقصود: تنييه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية من التناقض ببيان وجوه تهافتهم؛ فلذلك لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول منكر مطالب، لا دخول مدّعٍ مثبت / [2] فأكدر [3] عليهم ما اعتقدوه، ومطوعًا بإلزامات مختلفة: فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطورًا مذهب الواقفة، ولا أنتهض ذابًا عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلبًا واحدًا
(1) تهافت الفلاسفة (ص: 8) .
(2) نهاية 34/ ب.
(3) في تهافت الفلاسفة (ص: 8) : (فأبطل) .