فصل
[الفلاسفة إذا دخلوا في الملل كانوا منافقين]
ثم إنه لقائل أن يقول: هذا الذي ذكروه مما يحتج به على أن هذا العالم ليس بقديم كما يزعمون، بل هو كائن بعد أن لم يكن، فإنهم يسمونه أيضًا محدث، لكن يعنون بالحدوث: وجوبه بالرب وصدوره عنه، لا يعنون بذلك وجوده بعد العدم. وهذا تلبيس منهم على أهل الملل، ومنافقة منهم؛ فإنهم إذا دخلوا في الملل كانوا منافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويظهرون الإقرار بالكتب الإلهية؛ وهم يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته؛ فيؤول أمرهم إلى السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات.
ولهذا كانت زنادقة الملة ومنافقوها كالقرامطة الباطنية تستتبعهم وتكون في الناظر معهم مع إظهارها الإسلام.
وقد ذكر ابن سينا: أنه وأهل بيته كانوا من أتباع القرامطة الإسماعيلية، وأنه كان يسمع أباه وأخاه يذكران العقل والنفس ونحو ذلك، وأنه بسبب ذلك اشتغل في الفلسفة.
وكذلك أبو علي بن الهيثم [1] ومبشِّر بن فاتك [2] وأمثالهما من
(1) (ت 430 هـ) .
(2) قال شيخ الإسلام: «ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام كانوا من أتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم وأبي علي بن الهيثم اللذين =