فإن هذه الحجة هي من أعظم أصول الكلام الذي ذمه السلف والأئمة؛ لأن فيها من المقدمات الباطلة التي أوقعت أصحابها في مخالفة الشرع والعقل ما لا يتسع هذا الموضوع لذكره، وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع.
وهذه الحجة هي التي أوقعت الجهم بن صفوان [1] في زعمه: إن نعيم الجنّة منقطع، مع قوله بنفي الصفات.
وهي التي أوقعت أبا الهذيل [2] في قوله: بفناء حركات أهل الجنة والنار، مع قوله أيضًا بنفي الصفات.
وهي التي أوقعت سائر المعتزلة وغيرهم في القول: بأن القرآن مخلوق، وفي إنكار رؤية الله في الآخرة، ونفي الصفات وغير ذلك.
وهي التي أوقعت أبا المعالي في مسألة الاسترسال [3] إلى أمور أخرى يطول وصفها. وتسلط بسببها من تسلط من المتفلسفة على أهل الملة لما رأى هذه الحجة التي جعلوها أصل أصول دينهم، ورأى ما فيها من الاضطراب.
(1) (قتل سنة 128 هـ) .
(2) محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي البصري العلاف، من رؤوس المعتزلة، وبعضهم ينتسبون إليه يعرفون بالهذيلية يقولون بمقالاته (ت 227 هـ، وقيل: 235 هـ) . سير أعلام النبلاء (8/ 529، 9/ 189) .
(3) قال شيخ الإسلام: «قال أبو المعالي بمسألة الاسترسال: وهو أن علم الرب تعالى يتناول الأجسام بأعيانها، ويتناول أنواع الأعراض بأعيانها، وأما آحاد الأعراض فيسترسل العلم عليها لامتناع ما لا يتناهى علمًا وعينًا.
وأنكر الناس ذلك عليه وقالوا فيه أقوالا غليظة حتى يقال: إن أبا القاسم القشيري هجره لأجل ذلك «درء تعارض العقل والنقل» (1/ 177) .